loader

تجربتي مع الجماعة اللاهورية

 بسم الله الرحمن الرحيم نحمده ونصلي على رسوله الكريم وعلى عبده المسيح الموعود

أقدم أدناه تعريبًا لمقالة كتبتها باللغة الإنجليزية في أوائل عام 2001 بعد تجربة خضتها مع الجماعة اللاهورية – وقد نُشرت في ذلك الوقت على موقع الجماعة الإسلامية الأحمدية باللغة الانجليزية.
فقبل سنين عديدة كنت قد التحقت بالجماعة اللاهورية وبقيت على هذا الحال لبضعة أسابيع. بعد ذلك عدت إلى وطني الأم – جماعة الخلافة – المعروفة بالجماعة الإسلامية الأحمدية.
في الصفحات التالية، سأشرح أسباب عودتي إلى جماعة الخلافة. ولكن قبل ذلك سأشرح بإيجاز وجه الاختلاف بين نظام الجماعتين - من أجل القارئ الذي ليست له دراية بالفرق بين الجماعة اللاهورية وجماعة الخلافة.
إن جماعة الخلافة هي الجماعة التي تتبع نظام الخلافة في الإسلام، وتدار شؤونها تحت قيادة الخلفاء المنتخبين من قبل بعض أفراد الجماعة الذين أوكلت إليهم هذه المهمة. وهي تتكون من أتباع المسيح الموعود عليه السلام الذين بايعوا خلفاءه. وهذه هي الجماعة الإسلامية الوحيدة في العالم اليوم التي تتمتع بقيادة خلفاء على نهج الخلفاء الراشدين للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
أما الجماعة اللاهورية فهي تتكون أيضا من أتباع المسيح الموعود عليه السلام، ولكنهم الأتباع الذين رفضوا نظام الخلافة حيث امتنعوا عن مبايعة خليفة المسيح الثاني – سيدنا مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه – عند انتخابه لمنصب الخلافة في عام 1914. وكان ذلك بعد وفاة سيدنا الحكيم نور الدين القرشي رضي الله عنه - الخليفة الأول للمسيح الموعود عليه السلام. وبعد ذلك لم يبايعوا أي خليفة آخر للمسيح الموعود عليه السلام.
بعد هذه المقدمة الموجزة، أذكر تجربتي التي مررت بها بعد انضمامي إلى جماعة الخلافة بعدة سنوات.
في ذلك الوقت كنت بعيدة عن مركز جماعة الخلافة في لندن بسبب ظروف عائلية صعبة جدا لا داعي لذكر تفاصيلها هنا، ولكن فقط يمكن القول إنني كنت وقتها تحت ضغط شديد جدا بحيث أنني حرمت حتى من حرية الإتصال بأفراد الجماعة الإسلامية الأحمدية. وبطبيعة الحال لم أتمكن من القيام بأي عمل لخدمة الجماعة. وكان ذلك يؤلمني كثيرا لأنني في ذلك الوقت كنت قد تعودت أن أستمد السعادة والقوة فقط من خلال عملي لخدمة دين الله. ولذلك كنت في حالة بحث مستمر عن طريقة أخدم بها دعوة المسيح الموعود عليه السلام.
وتحت هذه الظروف بحثت على شبكة الإنترنت عن موقع الجماعة الإسلامية الأحمدية، وكنت أقصد بذلك طبعا جماعة الخلافة. ولكنني لم أجد موقع جماعة الخلافة بل وصلت إلى موقع الجماعة اللاهورية بدلا من ذلك. وطبعا أول ما جذبني للموقع هو صورة المسيح الموعود عليه السلام التي أكدت لي أن هذا موقع أتباع المسيح الموعود عليه السلام.
وتعرفت على الجماعة اللاهورية من خلال هذا الموقع. لم أكن أعرف أي تفاصيل عن هذه الجماعة قبل ذلك، حيث أنه في ذلك الوقت لم تكن شبكة الإنترنت منتشرة ومستخدمة في كل بيت كما هو الحال اليوم.
كانت كل المعلومات التي قرأتها على موقع الجماعة اللاهورية جديدة بالنسبة لي. لم أكن أعرف قبل ذلك أن هناك جماعة مكونة من أفراد يعتبرون أنفسهم أتباع المسيح الموعود عليه السلام، غير جماعة الخلافة. وفوجئت بما قرأته عن الجماعة اللاهورية على موقعها الالكتروني، فقد كان مذكورا هناك أنها جماعة منظمة تنشر تعاليم المسيح الموعود عليه السلام. وانجذبتُ بسرعة إلى نشاطاتهم المذكورة تفاصيلها على موقعهم، وبالتالي اتصلتُ بهم حتى أتزود بالمزيد من المعلومات عنهم، وعن كيفية خدمة الدين من خلالهم. وحيث إنني لم أعثر على موقع لجماعة الخلافة على الإنترنت، لم يكن أمامي أي اختيار آخر لخدمة دعوة المسيح الموعود عليه السلام إلا مساعدة الجماعة اللاهورية في نشاطاتها.
بالإختصار تطورت الأمور بسرعة وانضممت إلى الجماعة اللاهورية، متيقنة أنني بذلك سأخدم دعوة المسيح الموعود عليه السلام. في ذلك الوقت لم أكن أعني أبدا بأي شكل من الأشكال أن أعادي جماعتي الأصلية – جماعة الخلافة. كل ما في الأمر هو أنني أعجبت بنشاطات الجماعة اللاهورية وخاصة في مصر؛ حيث إنهم كانوا يترجمون كتبهم إلى اللغة العربية ويطبعونها تحت إشراف إدارة الأزهر. كما أنه بدا لي أيضا في ذلك الوقت أن أفراد الجماعتين أحمديون مخلصون محبون للمسيح الموعود عليه السلام ويعملون جاهدين على نشر رسالته في كل أنحاء الأرض. وكان يبدو لي وقتها أن هناك فقط اختلافات بسيطة بين الطرفين؛ وبالتالي ينبغي ألا تكون هناك أي عداوة بينهما!
وفيما يتعلق بالعقيدة، ظلت معتقداتي نفسها كما كانت من قبل ولم تتغير إلا من أوجه قليلة. فقد استمر إيماني بصدق المسيح الموعود عليه السلام بعد الانضمام إلى الجماعة اللاهورية. كنت أؤمن بأن سيدنا ميرزا غلام أحمد عليه السلام هو الإمام المهدي والمسيح الموعود ومجدد القرن الرابع عشر. واستمر أيضا إيماني بأنه كان نبيا – ولكن كان هناك اختلافٌ واحدٌ في صفة هذه النبوة؛ حيث إنني اعتبرته نبيا بالمعني المجازي لا بشكل حقيقي.
وهذه النقطة الهامة جدا تحتاج إلى مزيد من التوضيح هنا.
إن مفهومي لنبوة المسيح الموعود عليه السلام لم يتغير بأي شكل من الأشكال. ولكن الذي تغير فقط كان صفة هذه النبوة وموقفي منها. فكما كان اعتقادي السابق، لم أعتبر نبوته نبوةً منفصلة أو مستقلة، بل كنت أعتقد أنها انعكاس لنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. كما لو كان هناك شخص يقف أمام المرآة وينظر إلى صورته المنعكسة فيها، إن هذه الصورة المنعكسة ليست هي الشخص الأصلي الواقف أمام المرآة، وليس لها كيان منفصل أو مستقل. وبالتالي لو لم يكن لهذا الشخص وجود، فلن يكون هناك أي وجود لصورته المنعكسة في المرآة. وكذلك الحال بالنسبة لنبوة سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام – فهي مجرد "انعكاس" لنبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويمكن وصفها بالنبوة الظلية لنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليس لها وجود مستقل بذاته، بل هي معتمدة كليا على نبوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم). ولقد أنعم الله على المسيح الموعود عليه السلام بهذه النبوة فقط بسبب طاعته الكاملة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. وهذا الأمر وضحه المسيح الموعود عليه السلام بنفسه في كتاباته، وهذا هو المعتقد الذي يجب أن يتمسك به كل فرد من أتباعه، سواء أكان من جماعة الخلافة أو من الجماعة اللاهورية.
وبالتالي تمسكت بهذا المعتقد. ولكن في نفس الوقت تغيرت صفة هذه النبوة عندي، فبدلاً من أن تكون نبوة "حقيقية" أصبحت نبوة "مجازية" بعد انضمامي للجماعة اللاهورية. وقد تسبب ذلك في تغيير نظرتي لهذه النبوة، وبدأت تطرأ بعض التغييرات في موقفي من هذه النبوة من الناحية العملية - كما سأشرح لاحقا.
في ذلك الوقت بدأت ألاحظ بعض الأمور التي لم أكن أعلم عنها شيئا من قبل، وأصبحت أكثر دراية بنقاط الخلاف بين الجماعتين. كما أنني تلقيت رسائل عديدة من بعض أفراد جماعة الخلافة ليشرحوا فيها حقيقة الوضع وليجيبوا على استفساراتي ويصلحوا مفاهيمي. وفي نفس الوقت سنحت لي فرصة اللقاء ببعض أفراد الجماعة اللاهورية أيضا والاطلاع على المزيد من مطبوعاتها.
وبدأت أدرك لأول مرة أن هناك عداوة متأصلة وكراهية شديدة قائمة بين أفراد الجماعتين. هذا الأمر أزعجني وأقلقني كثيرا. فلم يهدأ لي بال وأنا أشعر بأن هناك عداوة أو خصاما بين طرفين يدَّعي كل منهما أنه من الأتباع الحقيقيين للمسيح الموعود عليه السلام. فلقد ركز المسيح الموعود عليه السلام في كتاباته على أهمية المحبة والتآلف بين أفراد جماعته، فمثلا كتب حضرته:
إِن كنتم تريدون أن يرضى الله عنكم في السماء فكونوا متحدين فيما بينكم اتحاد الشقيقين من بطن واحد. إن أكرمكم أكثرُكم غفرانا لأخيه، وشقيٌّ مَن يعاند ولا يغفر، فليس مني في شيء. (من كتاب سفينة نوح)
فكيف يمكن لمن يدَّعون أنهم أتباع المسيح الموعود عليه السلام أن يكون بينهم مثل هذه الخلافات الخطيرة؟ هذا الأمر أشعرني بخيبة أمل كبيرة. وتذكرت حالتي قبل انضمامي للجماعة الإسلامية الأحمدية، حيث كنت قبلها من المسلمين السنيين. كم كنت أشعر باليأس والإحباط قبل أن أعرف أخبار بعثة المسيح الموعود عليه السلام. كنت أشعر بالحزن الشديد والحسرة على حال المسلمين المشتتين الذين يتقاتلون مع بعضهم البعض بدلاً من الاتحاد من أجل نشر دعوة الإسلام الحقيقي في العالم. كنت أعاني بشدة برؤية حالتهم وكنت أبكي وأدعو الله كثيرا من أجل هداية المسلمين ونصر الإسلام، ومن أجل توحيد صفوفهم في العالم تحت راية الإسلام الحقيقي، ومن أجل نشر رسالة الإسلام التي أتى بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء الأرض. وعندما هداني الله إلى صدق المسيح الموعود عليه السلام كانت سعادتي لا حدود لها. فقد رأيت أن الله قد أرسل بالفعل الحل لجميع المشاكل التي يواجها المسلمون. أدركت وقتها أن الجماعة الإسلامية الأحمدية كانت الوسيلة التي هيأها الله من أجل توحيد صفوف المسلمين جميعا تحت راية واحدة، والتي سيتحقق من خلالها النصر الذي وعدهم الله به – كما جاء في كتابه الكريم: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (الفتح 29). في رأيي كانت هذه الجماعة هي الوحيدة التي يمكنها أن تحمل راية ظهور الإسلام الحقيقي على الدين كله في أنحاء العالم.
باختصار، لقد منحتني بعثة المسيح الموعود عليه السلام فرصة حياة روحانية جديدة وفتحتْ لي أبواب جنة ممتعة للغاية. كما أنها أنشأت العديد من الآمال الجديدة في قلبي وجددت أمنياتي السابقة بأن الإسلام سينتصر ويظهر على الدين كله في وقت قريب بإذن الله.
ولكن عندما وصلتني أخبار الانقسام الداخلي الذي حدث في جماعة المسيح الموعود عليه السلام - بعد انضمامي إلى الجماعة اللاهورية - تلاشت هذه الآمال مرة أخرى، فاختفت سعادتي وحل محلها الأسى والحزن العميق. فبدلا من توحيد العالم كله تحت راية الإسلام الحقيقي، وجدت أتباع المسيح الموعود عليه السلام أنفسهم منقسمين فيما بينهم. وبدلا من تحقيق المصالحة الداخلية بين الطوائف الإسلامية المختلفة، وجدت أنهم أنشأوا انقساما داخليا آخر في الإسلام. وتساءلت يا تُرى كيف سيكون شعور المسيح الموعود عليه السلام إذا كان على قيد الحياة في العالم اليوم وعلم بهذا الوضع بين أفراد جماعته؟
في ذلك الوقت، بدا لي أن الطرفين – جماعة الخلافة والجماعة اللاهورية - مسؤولان عن هذا الانقسام في الجماعة. وشعرت أنه من واجب الجميع من كلا الطرفين أن يجتهدوا من أجل القضاء على هذه الخصومات بينهم؛ وهذا لأن إحدى مهام المسيح الموعود عليه السلام كانت القضاء على أي خلافات بين المسلمين والمصالحة الداخلية بينهم.
وهنا أذكر فقرة كتبها المسيح الموعود عليه السلام في كتابه "إزالة خطأ"؛ وهذا الكتاب يستدل به كل من الطرفين – جماعة الخلافة والجماعة اللاهورية – على صدق معتقداتهم طبقًا لما قاله المسيح الموعود عليه السلام. في هذا الكتاب قال حضرته:
إنه لثابتٌ من تاريخ أجدادي أن إحدى جداتي كانت من عائلة السادات الشريفة، وكانت من بني فاطمة. وقد صدّق النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا ذلك حيث قال لي في الرؤيا: "سَلْمانُ منّا أهلَ البيت على مَشْرَبِ الحَسَنِ."
فسمّاني."سلمان" أي: سِلْمانِ اثنان، والسِّلْم في العربية هو الصلح، يعني: أنه مقدّر أن يتمّ صُلحان على يديّ، أولهما داخلي، حيث يزيل البغض والشحناء (من بين المسلمين)، وثانيهما خارجي، أي أنه يقضى على أسباب العداوة الخارجية ويكشف عظمة الإسلام، وبالتالي إخضاع أتباع الأديان الأخرى للإسلام. ويبدو أنني أنا المراد من "سلمان" المذكور في الحديث، إذ لا تنطبق نبوءة الصلحينِ على سلمان ذلك. (من كتاب إزالة خطأ – صفحة 5 – الحاشية)
فمن واجب أتباع المسيح الموعود عليه السلام المخلصين أن يكونوا أول من يحقق هذا الهدف السامي، ومن واجبهم أن يكونوا قدوة حسنة لبقية المسلمين. من واجبهم أيضا أن يكونوا مستعدين لمواجهة أي نوع من المشقة وتقديم أي نوع من التضحية من أجل إنهاء هذا الانقسام بينهم؛ حتى يقدروا على توحيد صفوف بقية المسلمين تحت راية الإسلام الحقيقي، وأن يجذبوا العالم كله تحت هذه الراية.
إنني لأشعر بالقلق الشديد عندما أنظر في تاريخ الإسلام وما حدث بعد سنوات قليلة من وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ عندما انقسم الكثير من أتباعه وتقاتلوا. كانوا قريبين منه جدا خلال حياته المقدسة ونهلوا من ينبوع تعاليمه الكاملة. وبالتأكيد إنهم شهدوا الأسوة الحسنة لأفضل إنسان ولد على وجه الأرض وأفضل البشر أجمعين. ولكن بعد مرور بضعة سنوات فقط على وفاته كان الكثير منهم يحاربون بعضهم البعض. وما زلنا نشهد اليوم الآثار السلبية لانقسام المسلمين الذي حدث في تلك الفترة. ولم تبق الفجوة التي نشأت في ذلك الوقت حتى على حالها، بل استمرت في الاتساع على مر السنين. واليوم يتضح بجلاء الحال الذي وصل إليه المسلمون بسبب هذه الخلافات الأولية.
ومن الطبيعي أن أشعر بالقلق الشديد عندما أفكر أن هذا الحال يمكن أن يتكرر مرة أخرى مع أتباع المسيح الموعود عليه السلام، وأرى ضرورة تكاتف جميع أتباعه جاهدين حتى لا يتبعوا هذا الطريق نفسه.
وبهذه الخواطر واصلت قراءة الرسائل التي تلقيتها من أفراد جماعة الخلافة، وفي الوقت نفسه واصلت أيضا قراءة منشورات الجماعة اللاهورية. ولم أتوقف أبدا عن القراءة في تلك الفترة ولم أتجاهل أبدا أي أفكار أو آراء أو وجهات نظر من كلا الطرفين.
كان الطرفان ينقلان مقاطع من كتب المسيح الموعود عليه السلام من أجل إثبات وجهة نظرهم المتعلقة بالعقائد. واستغربت كثيرا أن كلا الطرفين كان يدعم الحجج الخاصة بالعقائد باقتباس مقاطع من نفس الكتب. بل والعجيب أيضا أنهم في بعض الأحيان كانوا حتى يشيرون إلى المقاطع نفسها في هذه الكتب ويستخدمونها من أجل تعزيز وجهات نظرهم المختلفة. وكانت هذه الحقيقة محيرة للغاية. فقد أردت اتّباع تعاليم المسيح الموعود عليه السلام، وكان كلا الطرفين يصر على أنه هو المتبع لتعاليمه الحقيقية. وكنت أتساءل، كيف يمكن لأي شخص معرفة أي منهما يحمل الرأي الصحيح؟
وبينما هذه الأفكار في ذهني، وصلني عن طريق البريد الالكتروني كتيب باللغة العربية من أحد أفراد جماعة الخلافة، وقد تضمن الإجابات على جميع النقاط التي كنت قد أثرتها في وقت سابق أثناء مناقشاتي مع أفراد جماعة الخلافة. وتضمن الكتيب جزءا يؤنبني شخصيا. وتألمت كثيرا من ذلك. في البداية ظننت أنني تألمت بسبب الانتقادات المرتبطة بي والتي تضمنها الكتيب. ولكن عندما فكرت بعمق حول هذه المسألة، تبين لي أنه ليس هذا هو الذي أزعجني. لقد كانت لي تجارب أسوأ من ذلك بكثير في الماضي. ففي الواقع إنني منذ انضمامي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية كنت أواجه الانتقادات من كل الاتجاهات - الأسرة والأصدقاء وعلماء الدين، إلخ. وبالتالي لم يكن هناك أي شيء جديد هذه المرة بالنسبة لي، فقد تعودت على ذلك على أي حال. وعلاوة على ذلك، كان هذا هجوما معتدلا جدا مقارنةً بما واجهته في الماضي بسبب انضمامي للجماعة الإسلامية الأحمدية. إذن ما الذي كان يسبب لي هذا العناء والألم؟ عندما بحثت في أعماق قلبي عن السبب الحقيقي، وجدت أن ما أزعجني حقا كان هو أنني أدركت أنه أصبح هناك عداء بيني وبين جماعة الخلافة. وكان هذا هو السبب في حزني العميق.
ومن طبيعتي أنني لا أتحمل العداء مع أحد، وأكون دائما على استعداد أن أضحي أو أتنازل عن أي شيء من أجل إنهاء أي خلاف أو سوء تفاهم بيني وبين أحد، وفي أقرب وقت ممكن. ولكنني فجأة وجدت نفسي مِن أعداء مَن كنت أعتبرهم أغلى الناس عندي. فالمؤمنون بصدق المسيح الموعود عليه السلام كانوا أعز الناس لدي في هذا العالم.
لم أستطع العيش بهذه المشاعر لفترة طويلة. كان هذا الكتيب مثل الصفعة على الوجه التي أيقظتني من السبات العميق. فقد سبب لي صدمة شديدة. وتفاقمت المشكلة إلى درجة لم أستطع تحملها. كنت أتضرع إلى الله بشكل مستمر وأطلب منه أن ينهي هذه المعاناة ويزيل ألمي وحزني.
وعلاوة على ذلك، تضمن هذا الكتيب حججًا للرد على جميع النقاط التي أثارها اللاهوريون ضد جماعة الخلافة. وبذلك أصبح من الواضح لي أنني تسرعت في قراري للانضمام إلى الجماعة اللاهورية قبل التحقق في المسألة بالشكل الكافي.
شعرت بالحزن العميق. في ذلك الوقت كنت قد التقيت بالفعل مع بعض أفراد الجماعة اللاهورية وتوطدت علاقتي بهم. ولكني من ناحية أخرى كنت ما زلت أكنّ المحبة الشديدة لعائلتي الروحانية من أفراد جماعة الخلافة، الذين راعوني ووفروا لي كل احتياجاتي الروحانية على مر سنين منذ أن انضممت إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية.
أصبحت في صراع عميق، وتمنيت أن تختفي هذه المعركة بين الطرفين حتى لا أحتاج أن أُخَيَّر بينهما. كنت مثل الطفل الصغير الذي كان يراقب والديه وهما يتشاجران معا. بغض النظر عمن كان على خطأ، ومن كان على صواب، فإن الطفل يحب كليهما على حد سواء، ويتمنى لو يتوقف الشجار بينهما ويكونا على وئام طوال الوقت حتى لا يُحرم من أحدهما. هذا الطفل بطبيعة الحال يكون مستعدا للقيام بأي عمل من أجل إنهاء هذه الخلافات التي تهدد سلام الأسرة.
بهذه المشاعر، كنت أصلي وأدعو الله أن ينهي معاناتي ويعيد السلام إلى قلبي.
وحان الوقت لي أن أنسى مشاعري الشخصية وأن أفكر في حقائق هذه المسألة. وحسب ما فهمت، فإن الاختلافات بين جماعة الخلافة والجماعة اللاهورية استندت كلها على الاعتقاد في نبوة حضرة مرزا غلام أحمد عليه السلام. فيقول أفراد جماعة الخلافة أنه ادعى النبوة ويقول اللاهوريون أنه لم يدَّعِ النبوة؛ بل فقط ادعى المحدثية أو النبوة بالمعنى المجازي. وبعد أن درست عن كثب معتقدات كل جماعة، أدركت شيئا غاية في الأهمية، وهو أنه بالنسبة لهذه المسألة - في رأيي - ليس هناك فرق يذكر بين الطرفين. فالاختلافات في معتقدات الطرفين غير حقيقية بل ظاهرية ومصطنعة وزائفة.
لتوضيح هذا الأمر لنفترض أن شخصا ما سأل أحد أتباع المسيح الموعود عليه السلام السؤال التالي:
"هل إدعى حضرة مرزا غلام أحمد أنه نبي؟"
إن الإجابة الأولية على هذا السؤال ستتوقف على ما إذا كان الشخص الذي سُئل هذا السؤال، ينتمي إلى جماعة الخلافة أو الجماعة اللاهورية. ولكن بقية الإجابة سوف تكون هي نفسها تماما في كلتا الحالتين.
وهذا يعني أنه إذا كان الشخص الذي سُئل هذا السؤال، ينتمي إلى جماعة الخلافة، فسوف تكون إجابته كالتالي:
"نعم، لقد ادعى النبوة، ولكن نبوته كانت نبوة بروزية وصورة، فهي انعكاس لنبوة رسول الإسلام الأكرم صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فهي ليست نبوة منفصلة أو مستقلة. لقد ادعى حضرة مرزا غلام أحمد أنه نبي أمتي (أي نبي من الأمة الإسلامية غير مستقل عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم) - الذي لم يأت بشريعة جديدة".
أما إذا كان الشخص الذي سُئل السؤال أعلاه، ينتمي إلى الجماعة اللاهورية فسوف يكون جوابه كالتالي:
"لا، لم يدعي النبوة، لكنه ادعى فقط النبوة بالمعني المجازي – أي بعبارة أخرى المحدثية – فقد كانت نبوته نبوة بروزية وصورة، فهي انعكاس لنبوة رسول الإسلام الأكرم صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فهي ليست نبوة منفصلة أو مستقلة. لقد ادعى حضرة مرزا غلام أحمد أنه نبي أمتي - الذي لم يأت بشريعة جديدة ".
لو كنت أنا الشخص الذي سأل السؤال، قد لا ألاحظ حتى أن هناك فرقا في الإجابتين! فالنتيجة النهائية هي نفسها. إن وصف ما ادَّعاه سيدنا مرزا غلام أحمد هو أنه ادعى "نوعا من النبوة" تعريفها أنها "نبوة بروزية وصورة، فهي انعكاس لنبوة رسول الإسلام الأكرم صلى الله عليه وسلم. وبالتالي فهي ليست نبوة منفصلة أو مستقلة. لقد ادعى حضرة مرزا غلام أحمد أنه نبي أمتي - الذي لم يأت بشريعة جديدة."
أحد الفريقين يسميها "نبوة" والآخر يسميها "نبوة مجازية – أو محدثية"!
ولكن كلمة حق يجب أن تقال هنا. إذا كان من المطلوب إجابة صريحة بكلمة واحدة على السؤال أعلاه: "هل ادعى حضرة مرزا غلام أحمد أنه نبي؟" فالإجابة الصريحة يجب أن تكون "نعم" لأن سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام ادعى نوعا من النبوة. أما إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنها لن تكون إجابة صحيحة. وهذه النقطة هامة جدا، وقد وضحها سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام بنفسه وناقشها بالتفصيل في كتابه "إزالة خطأ" الذي ترجمه إلى الإنجليزية كلا الطرفين – جماعة الخلافة والجماعة اللاهورية.
وعلى الرغم من أن الطرفين مختلفان حول التفسيرات المتعلقة بالعديد من المقاطع في هذا الكتاب، فإنهما متفقان على الأقل على نقطة واحدة؛ وهي أن كلاهما يعتقد أن هذا الكتاب يمثل التعاليم الحقيقية للمسيح الموعود عليه السلام في هذا الصدد، والتي نادى بها حتى وقت وفاته.
وقد اقتبست في مقالي الأصلي من الترجمة الإنجليزية لهذا الكتاب والمنشورة على الموقع الإلكتروني للجماعة اللاهورية. والسبب في ذلك هو أن ما اقتبسته يؤيد وجهة نظر جماعة الخلافة. ولذلك وجدت أنه من الأفضل استخدام ترجمة الجماعة اللاهورية حتى لا يظن أحد أن الترجمة محرفة أو ملتوية بحيث تغير المعاني الأصلية لصالح جماعة الخلافة. فالحقيقة أن ترجمة الجماعة اللاهورية – كما نشرتها على موقعها – تؤيد وجهة نظر جماعة الخلافة كما سنرى بعد قليل. ولكن يجب أن أذكر هنا أنني في المقالة العربية الحالية مضطرة لاستخدام الترجمة العربية التي نشرتها جماعة الخلافة لهذا الكتاب لأنه لا توجد ترجمة عربية من قبل الجماعة اللاهورية لنفس الكتاب.
كتب حضرة مرزا غلام أحمد عليه السلام في بداية هذا الكتاب:
"إن البعض مِن جماعتنا - ممن ليس لديهم معرفة كافية بدعوانا وأدلتنا، ولم تتيسر لهم قراءةُ كتبنا بإمعان، كما لم يستكملوا معلوماتِهم بالمكوث في صحبتنا مدةً كافية - يرُدّون أحيانًا على اعتراضات المعارضين ردًّا مخالفًا للواقع كليةً، فيتعرضون للإحراج مع أنهم من أهل الحق؛ فقبل بضعة أيام وُجّه إلى أحد الإخوة اعتراضٌ من أحد المعارضين بأن الذي بايعتَ على يده يدّعي أنه نبي ورسول! فردّ هذا الأخ بالنفي التام، علمًا أن جوابه هذا ليس بصحيح. (إزالة خطأ صفحة 1)
إذن فإن المسيح الموعود عليه السلام نفسه أعلن أن "مجرد الإنكار" للقول بأنه ادعى النبوة، ليس بالرد الصحيح. وفي واقع الأمر، لقد ألف حضرته كتاب (إزالة خطأ) بهدف تصحيح هذا المفهوم الخاطئ – أي مفهوم أنه لم يدَّعِ النبوة. في هذا الكتاب، شرح حضرته السبب في أن الإجابة بالنفي إجابة غير صحيحة. ووضَّح بالتفصيل حقيقة دعواه. كما بَيَّن أن الله خاطبه بالكلمات (نبي) و(رسول) وشرح طبيعة وجوهر نبوته.
وهذا يعني أنه، وفقا لما قاله المسيح الموعود عليه السلام في الاقتباس أعلاه، عندما يقول اللاهوري فقط أن المسيح الموعود لم يدَّعِ النبوة، دون التوضيح بأنه ادعى نوعا من النبوة، فإن بيانه يعتبر غير صحيح. ومن ناحية أخرى، إذا قال الأحمدي من جماعة الخلافة فقط أن المسيح الموعود عليه السلام ادعى النبوة دون أن يوضح جوهر هذه النبوة، فإن جوابه سيكون غير مكتمل ولكن في نفس الوقت لا نستطيع أبدا أن نقول إنها إجابة غير صحيحة؛ لأنه فعلاً ادَّعى نوعا من النبوة!
ومع ذلك، سواء قال الأحمدي من جماعة الخلافة أن المسيح الموعود عليه السلام ادعى النبوة أو نفى اللاهوري ذلك، ففي كلتا الحالتين يحتاج كل منهما أن يذكر المزيد من الشرح للتوضيح. فإذا كان كل منهما صادقا في شرحه وتوضيحه، فسنجد أن كلا الطرفين قد بيَّن ما يوصل إلى نفس النتيجة بالنسبة لطبيعة ما ادعاه المسيح الموعود عليه السلام.
والسؤال الآن هو: لماذا توجد هذه العداوة بين الجماعتين إذا كان الاختلاف بينهما في العقائد مجرد شيء طفيف ليس له وجود في الواقع؟
بعد البحث في هذا الأمر رأيت بوضوح أن الاختلافات في العقائد بين الجماعتين زائفة وجوفاء. لذلك فإن الانقسام في الجماعة لا بد وأن يكون قد حدث لسبب آخر وليس بسبب العقائد.
حان الوقت لي أن أفكر في الأسباب الكامنة وراء هذا الانقسام وأن أحدد من هو المسؤول عنه. وهل كلا الطرفين مذنب، أم أن طرفًا واحدًا فقط هو المسؤول عن ذلك؟ حان الوقت لي أن أحدد موقفي الشخصي من هذا الوضع.
لقد انتميت إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية لمدة أكثر من عشر سنوات في ذلك الوقت. وخلال كل هذه الفترة لم أشك ولو مرة في معتقداتي وموقفي. كان هذا بالرغم من أن جميع أفراد عائلتي كانوا يبذلون قصارى جهدهم من أجل تغيير معتقداتي في صدق الأحمدية، ومع ذلك لم يساورني حتى طائف من الشك ولا خطر على بالي أن أراجع نفسي في هذا الأمر لأني كنت على يقين أن هذا هو الحق. وبالرغم من كل المعارضة التي كنت أواجهها، وحتى مع كل المشاكل والمصاعب التي لاقيتها في وقت لاحق، كنت أشعر بالرضا والسعادة وكنت أتقدم روحانيا طوال الوقت. ولكن بعد ذلك وبعد أن انضممت إلى الجماعة اللاهورية اختفت هذه السعادة التي كانت متصلة بقبولي للعقائد الأحمدية، وحل محلها ألم ومعاناة. وقد فقدت هذا الشعور بالثقة واليقين بأنني متبعة الطريق الصحيح، وأحاطت بعقلي وقلبي غيوم الشك وتسببت في شعوري بالأسى والحزن، وتحولت الجنة التي نشأت داخل نفسي بعد انضمامي للجماعة الإسلامية الأحمدية إلى معاناة وألم بعد أن انضممت إلى الجماعة اللاهورية.
فبعد انضمامي للجماعة اللاهورية وتغير موقفي من نبوة المسيح الموعود عليه السلام، تأثرت حالتي الروحانية كليا، وكان لذلك تأثير سيئ للغاية على نفسي بعد أن فقدت التأثير الطيب لكل تلك المفاهيم الجميلة والانطباعات التي أرضت عقلي وأسكنت قلبي قبل ذلك. في السابق أحدثَ إيماني بصدق دعوى سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام تغييرا شاملا في حالتي الروحانية. وعندما سلَّمت وآمنت أنه نبي مرسل من عند الله، أدركت الكثير من الحقائق الجميلة التي لم أكن أُقدِّرها من قبل. وقتها فهمت أن الله ما زال يرسل الأنبياء من أجل هدايتنا، وأنه ما زال الإله الحي رب العالمين الرحمن الرحيم الذي لا تنقطع نعمه أبدا. وتجلت على قلبي صفات الله الحسنى بشكل جديد، وعرفت أن هذه الصفات لا تتغير ولا تتبدل ولا تتعطل في أي وقت. إن الناس هم الذين يعطلون هذه الصفات ويحرمون أنفسهم منها بسبب مفاهيمهم الخاطئة وضعف إيمانهم وعدم إدراكهم لها. أما الله فسبحانه وتعالى عن أن تتعطل عنده أي صفة من صفاته الإلهية. وبذلك تغيرت حالة نفسي الروحانية تماما بعد أن تجلت في قلبي صفات الله بشكل أرقى وأعلى وأكمل وأسمى. وقد سجد كياني كله لله شكرًا على هذه النعمة العظيمة التي أرسلها للبشر ببعثة المسيح الموعود عليه السلام. هذه البعثة التي منحت أتباعه الحياة الروحانية الجديدة. وتغير أيضا رأيي في الدين كليا. لم أعد أرى الدين مجرد طقوس وتعاليم يجب على المسلم القيام بها وإلا سيعاقبه الله، بل أدركت أن هذه التعاليم تشكل الوسائل لإنشاء العلاقة الحية بالله سبحانه وتعالى ونيل قربه ورضاه وجنته. وبذلك تتحقق الغاية السامية من وجودنا.
قبل ذلك كنت أعتقد في وجود خالق للكون. كنت أعلم أن هذا الخالق يحب الخير ولا يحب الشر. وقد خلقَنا، ورزقنا كل احتياجاتنا ثم جلس على عرشه يراقبنا في صمت من مسافة بعيدة. إذا احتجنا لمساعدته، سيستجيب ويوفر لنا ما نحتاج إليه، لكنه يفعل ذلك وهو لا يزال بعيدا جدا عنا. كنت أعتبره كما لو كان ملكا عظيما يعيش بعيدا عاليا في قصره السماوي ويراقبنا في صمت وهو جالس على عرشه السامي. كنت أعتقد أنه كان إلهًا صامتا. كنت أشعر أنه كان بعيدا جدا عنا. اعتدت أن أفهم أن هناك حاجزا دائما يمنعني من الوصول إليه. وكنت أفترض أنه غير مسموح لنا لقاؤه أو الاقتراب منه أو التحدث إليه. وإذا حاولنا التحدث معه، فإنه لن يجيبنا أبدا.
ولكن بعد إيماني بصدق دعوى المسيح الموعود عليه السلام بأنه نبي من عند الله وبأنه تلقى الوحي الإلهي وتمتع بالمحادثة مع خالقه، أدركت أن خالقنا هو خالق يختلف كثيرا عن الذي كنت أعرفه من قبل. مازلت أعتقد في وجود الخالق المحب للخير والصلاح، ولكن خيره وصلاحه ليس مخفيا الآن بل أصبح ظاهرا وملموسا ومتجليا للعالم كله، ويمكن إدراكه بالحواس الروحانية. صحيح أنه يراقبنا أينما كنا، لكنه ليس بعيدا عنا. إن الحاجز الزائف الذي منعني من الوصول إليه كان نتيجة خيالي وقصور فهمي وإدراكي، وقد نشأ بسبب عقائدي ومفاهيمي الخاطئة. الآن أستطيع أن أفهم أنه يسمح لنا بلقائه ورؤيته بحواسنا الروحانية، ويمكننا أيضا التحدث إليه وسماع إجابته علينا إن شاء هو ذلك.
كان إيماني بنبوة المسيح الموعود عليه السلام سببا في تصحيح مفاهيمي الخاطئة المتعلقة بخالقنا. بدأت أفهم أن خالقنا موجود معنا في كل لحظة من وجودنا. وهو ليس فقط قريبا منا، بل إنه موجود بداخلنا أيضا كما قال في كتابه العزيز:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق 17)
وهو يشملنا برحمانيته ورحيميته التي تهيمنُ علينا أينما كنا. وهو الرزاق الكريم المنعم، وهو الودود الحنون الرؤوف. إنه لا ينتظر حتى نسأله عن احتياجاتنا، بل إذا كنا بحاجة إلى أي شيء، فهو يوفر لنا ذلك حتى قبل أن ندرك أننا بحاجة إليه. إنه ليس بالإله الصامت، ولقد تكلم مع عباده في الماضي وهو لا يزال يتكلم معهم حتى اليوم. أولئك الذين لا يسمعونه هم أولئك الذين ليسوا مؤهلين لتلقي هذه النعم بسبب عقائدهم ومفاهيمهم الخاطئة وأعمالهم غير الصالحة. فالخطأ يكمن فيهم؛ في داخل أنفسهم. أما الذين يتقدمون روحانيا ويترقون بحيث يصلون إلى الغايات السامية، فإنهم يلتقون به وينعمون بحديثه ويتلقون وحيه أيضا. فهو الإله الحي الذي تتجلى صفاته بشكل مستمر في العالم. وليس هذا التجلي بالشيء الثابت غير المتغير، بل إن الله يتبدل للمتبدلين من أجله، وطالما أنهم يجتهدون من أجل التقرب إليه ونيل رضاه، فهو يتجلى عليهم دائما في شكل جديد: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن 27-30).
نعم كل يوم هو في شأن ويظهر صفاته في شكل مختلف ويتجلى كما يشاء على من يشاء. إنه لن يتوقف أبدا عن التواصل مع عباده. منذ أن خلق البشر وهو يبعث هدايته الروحانية للعالم، حتى قبل أن يدرك الناس أنهم بحاجة إلى التوجيه. لقد بعث أنبياءه باستمرار إلى الناس ليوصلوا لهم الهداية الإلهية. وقد استجاب لدعوته عباده المخلصون الصادقون، وأطاعوا أوامره باتباع تعاليم الرسل الذين أرسلهم. وكانت هذه هي الوسيلة التي استمر بها تقدم البشرية الروحاني. وعندما بلغت الإنسانية المرحلة النهائية لتقدمها، كانت هناك حاجة إلى الإنسان الكامل المثالي من أجل إيصال الشريعة الإلهية الكاملة النهائية للبشر. ولقد تحقق هذا ببعثة النبي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أرسله الله إلى الناس كافة حاملا التعاليم الإسلامية – الشريعة الإلهية الكاملة والأخيرة للبشرية. لم تكن بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سببا في إنهاء نزول البركات الإلهية على البشرية، بل بُعث صلى الله عليه وسلم كي يفتح أبوابا جديدة للحصول على المزيد من هذه النعم. ولم تنقطع النعم الإلهية من بعده أبدا. فلقد جاء الرسول الكريم رحمةً للبشرية بل لكل المخلوقات، كما خاطبه سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء 108)، وبالتالي فلا يمكن أبدا أن يكون مجيئه للعالم قد تسبب في انقطاع أي نوع من الخير أو حرمان البشرية من أي نعمة إلهية. لقد كان مجيئه من أجل تحقيق المزيد من الخيرات وتوفير البركات والنعم التي لم يتمتع بها الناس من قبل. وكانت قمة هذه النعم التي أحضرها صلى الله عليه وسلم للبشرية هي نعمة النبوة الأُمَّتِيّة؛ حيث كانت بعثته وتعاليمه وسيلة لظهور النبوة الظلية في أمته. فقد شكلت تعاليم الإسلام الوسيلة لبلوغ مرتبة النبوة لمن يتبعها حسب سنة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وسلم). هذا هو أحد معاني كونه "خاتم النبيين". فبعد بعثته أصبحت درجة النبوة مرتبة لا يحققها إلا من كان مؤهلا لتلك المرتبة الروحانية السامية من أمته، بعد السير على نهجه واتّباع تعاليمه صلى الله عليه وسلم. وهي تُمنح فقط من خلال تلقِّي ختمه، وفقط من خلال اتباع مثاله الكامل وأسوته الحسنة، وطاعة التعاليم التي نادى بها – وهي تعاليم دين الإسلام التي تضمنها القرآن الكريم. وبهذه الطريقة كان هو خاتم الأنبياء، لا يحصل أحد على النبوة بدون ختمه. كانت هذه إحدى النعم الإلهية الخاصة التي أنعم بها الله على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم والتي تميز بها على كل الأنبياء الآخرين. وهكذا، فتح بابًا جديدا لأتباعه من أجل بلوغ المراتب الروحانية السامية - بما في ذلك أسمى درجة روحانية؛ وهي مرتبة النبوة.
وعلى مر العصور، بلغ العديد من اتباعه المخلصين المراتب الروحانية السامية، وكانت نبوة المسيح الموعود عليه السلام هي أسمى مظهر من مظاهر هذه الدرجات الروحانية الراقية التي وفرها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم لأمته. إذن فإن إنكار هذه النبوة بأي شكل من الأشكال أو التقليل من شأنها ورؤيتها بمكانة لا تليق بما تستحقه، أو حتى التحفظ في الاعتراف بها بشكل واضح، لا يكون فقط ظلمًا لسيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام، بل يكون أيضا إنكارًا لذروة النعم الإلهية التي جاء بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم للعالم.
وبالتالي فإن اتّباع المعتقدات اللاهورية – التي تنكر نبوة المسيح الموعود عليه السلام وتعتبرها نبوة بالمعنى المجازي فقط، يحرم الإنسانَ الاستفادةَ من كل هذه الحقائق الرائعة. وبالفعل بعد انضمامي إلى الجماعة اللاهورية، تلاشت هذه المفاهيم الجميلة تدريجيا واختفت من قلبي. ونتيجة لذلك، عادت صورة دين الإسلام إلى مظهرها القاتم الذي كان يبدو لي قبل الانضمام إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية. ففقدتُ الصورة البراقة للإسلام التي تجلت في قلبي عندما آمنت بنبوة المسيح الموعود عليه السلام وتطورت تدريجيا باتباع تعاليمه. كان عليَّ أن أتخلى عن كل هذه المفاهيم السامية التي أشبعت روحي بماء الحياة الروحاني.
وبالمعتقدات اللاهورية تأثرت حتى مفاهيمي المتعلقة بصفات خالق الكون، واضطرني ذلك إلى العودة إلى مفاهيمي السابقة التي كنت أعتقد بها قبل انضمامي للجماعة الإسلامية الأحمدية - ومنها صفات لا تليق أبدا بالرحمن خالق الكون ورب العالمين.
ولكني شعرت أن هذا لا يمكن أن يكون معقولا أبدا. فإذا كانت لدي القدرة على تخيُّل وإدراك أي صفات حميدة في خالقنا، فلابد وبكل تأكيد أن تكون هذه الصفات الحميدة من صفاته سبحانه وتعالى، بل وأفضل منها بكثير أيضا مما يفوق خيالي وتصوري. إن خالقنا كامل الصفات الذي لا يفتقر أبدا لأي صفات حميدة، سواء استطعنا أن ندركها أو لم نستطع فهمها وإدراكها بسبب قدراتنا المحدودة.
وعلاوة على ذلك تسببت المعتقدات اللاهورية في التقليل من شأن معنى "خاتم النبيين" في ذهني أيضا. فمن وجهة النظر اللاهورية، معنى "خاتم النبيين" هو "آخر الأنبياء" فقط. هذا هو أيضا المعنى الذي يفهمه المسلمون غير الأحمديين الذين عارضوا المسيح الموعود عليه السلام خلال حياته، ومنذ ذلك الوقت حتى الأيام الحالية. ولكن القرآن الكريم يخبرنا أن نبي الإسلام الكريم كان "خاتم" النبيين، ولم يذكر أبدا أنه كان "آخر" النبيين. ومرتبة "خاتم النبيين" أعلى بكثير من مفهوم "آخر النبيين". والسبب في ذلك هو أن كلمة "آخر" تعني فقط "الأخير حسب الترتيب الزمني المادي". أما كلمة "خاتم" فهي تعطي معنى أشمل وأرقى من ذلك بكثير. وقد ذكرتُ أعلاه أحدَ معانيها. وهناك معنى آخر يشير إلى الدرجة الروحانية، فالكلمة تعني أن رسول الإسلام الأكرم تفوَّق على كل الأنبياء الآخرين بمكانته الروحانية السامية، وقد بلغ العُلى بكماله ووصل إلى أعلى درجة يمكن أن يصل إليها البشر والتي لم يصل إليها أي أحد غيره؛ ولا حتى الملائكة، وبذلك ختم المراتب الروحانية بحيث لا يستطيع أحد أن يتفوق عليه ويصل إلى مكانة أسمى من ذلك.
والحقيقة أنه باتباع المفاهيم اللاهورية بأن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء فقط، يمكن للمرء أن يشهد بوضوح أن هذا المفهوم يناقض معتقدا آخر من المعتقدات اللاهورية؛ وهو أن سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام ادعى النبوة بالمعنى المجازي. ليس هناك نقاش على هذه النقطة. إن اللاهوريين يعترفون بأنه كان نبيا بالمعنى المجازي، والنبوة المجازية هي بالتأكيد نوع من النبوة؛ حتى اسمها يشمل كلمة "النبوة". فلو كان الرسول الاكرم (صلى الله عليه وسلم) هو آخر الأنبياء فحسْب فلا يصح لأحد أن يؤمن بأي نبوة من بعده حتى ولو كانت نبوة مجازية كما يعتقد اللاهوريون.
في واقع الأمر، نجد في الكثير من كتابات المسيح الموعود عليه السلام، أنه يعلن نبوته بوضوح ويفسر جوهر هذه النبوة. حتى في كتابه "إزالة خطأ" المذكور أعلاه، كتب المسيح الموعود عليه السلام ما يلي:
لذا ينبغي تذكّرُ أنني لم أنكر نبوتي ورسالتي وفق هذه المعاني. وبهذا المعنى سُمِّي المسيح الموعود نبيًا في صحيح مسلم أيضا. إذا كان الذي يتلقى أخبار الغيب من الله تعالى لا يسمى نبيًّا فبالله أَخبِروني بأي اسم يجب أن يُدعى؟ فلو قلتم يجب أن يسمّى "محدَّثًا" لقلتُ لم يرِدْ في أي قاموس أن التحديث يعني الإظهار على الغيب، ولكن النبوة تعني الإظهار على الغيب. (إزالة خطأ – صفحة 3)
لقد أعلن حضرته عليه السلام بوضوح في كتاباته أنه نبي بالمعنى البروزي، وهذا أحد أنواع النبوة. وفي نفس الكتاب المذكور أعلاه عرَّف ما هو المقصود من كلمة "نبي"؛ فكتب حضرته:
وجدير ذكره أيضا أن النبيّ لغةً هو من يتلقى أخبار الغيب من الله تعالى، فحيثما يتحقق هذا المعنى يتحقق لفظ نبي. ولا بد أن يكون النبي رسولا، وإلا لن يتلقى أخبار الغيب الواضحة، وتمنعه من ذلك الآية التالية فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (الجن 27 و28)؛ فإذا أُنكرت النبوةُ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وفق هذه المعاني فيلزم منه بأن هذه الأمة ليس من نصيبها أي مكالمات أو مخاطبات إلهية، لأن الذي تظهر على يده الأخبار الغيبية من عند الله تعالى ينطبق عليه بالضرورة مفهومُ "نبي" وفقًا للآية: لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ.... كما أن الذي يُرسَل من الله نسميه رسولا. (إزالة خطأ – صفحة 2)
مما سبق يتأكد أن المسيح الموعود عليه السلام قد ادعى نوعا من النبوة، وقد بَيَّن بوضوح أن النبوة مستمرة في الأمة الإسلامية طالما أنها لم تأت بشريعة جديدة وطالما أنها تابعة لنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
أما طبقا للمعتقدات اللاهورية، فإن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم كان آخر الأنبياء. لقد أخبرنا الله تعالى في القرآن الكريم أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم كان "خاتم النبيين"؛ ومن وجهة النظر اللاهورية هذا يعني أنه "آخر الأنبياء"!
لكن نلاحظ هنا أن القرآن الكريم لا يحدد أي أنواع للنبوة في هذا البيان، فهو يخبرنا فقط أنه كان "خاتم النبيين". إذن فهذا الإعلان القرآني يجب أن يُفهم أنه يتضمن كل أنواع النبوة؛ سواء كانت بالمعني الحقيقي أو بالمعنى المجازي أو بأي معنى آخر. وهذا يتضمن أيضا المحدثية لأن المسيح الموعود عليه السلام قد ذكر المحدثية أيضا في أنواع النبوة حيث كتب التالي:
"المحدَّث أيضا نبي من وجه، ولكنه نبي يستمد النور من سراج النبوة المحمدية، ولا يحصل على العلم مباشرة، بل ينال العلم ببركة نبيه" (إزالة الأوهام)
وبالتالي لا يمكننا أن نستبعد مرتبة المحدثية من أنواع النبوة.
كل هذا يعني أنه إذا أخذنا بالموقف اللاهوري وفهمنا عبارة "خاتم النبيين" على أنها تعني "آخر النبيين"، فسيترتب على ذلك أن نسلم بأنه لن يأتي أي نبي بعده؛ حتى الأنبياء بالمعنى المجازي وحتى المحدثين. ولكن هذا يحرم الأمةَ المحمدية كلَّ الخيرات الروحانية، كما أشار المسيح الموعود عليه السلام في الفقرة المذكورة أعلاه، حيث كتب:
"فإذا أُنكرت النبوةُ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وفق هذه المعاني فيلزم منه بأن هذه الأمة ليس من نصيبها أي مكالمات أو مخاطبات إلهية، لأن الذي تظهر على يده الأخبار الغيبية من عند الله تعالى ينطبق عليه بالضرورة مفهومُ "نبي" وفقًا للآية: لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ.... كما أن الذي يُرسَل من الله نسميه رسولا." (إزالة خطأ – صفحة 2)
إن القرآن الكريم دقيق جدا في كلماته وتعبيراته. وطبقا لما ذُكر أعلاه من شرح المسيح الموعود عليه السلام، فإن كلمة (نبي) تتضمن مَن يظهر اللهُ أخبارَ الغيب على يده. وهذا يعني أن رفض مجيء الأنبياء بعد بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم معناه رفض مجيء المحدثين وأي شخص يتلقى المكالمة الإلهية من عند الله. فهذا هو الرأي الذي عبر عنه المسيح الموعود عليه السلام بوضوح في الفقرة المذكورة أعلاه. وبالتالي لا يستطيع من يتبع المعتقدات اللاهورية أن يتمسك بالمعتقدين في نفس الوقت لأن فيهما تناقضا. فإما أن يعتقد أن "خاتم النبيين" تعني "آخر الأنبياء" مطلقا، وبذلك يتحتم عليه رفض فكرة أن المسيح الموعود عليه السلام كان نبيا بالمعنى المجازي أو حتى أنه كان محدثا، ويترتب على ذلك أن حكم المسيح الموعود عليه السلام المذكور أعلاه ينطبق عليه – وهو أن من ينكر النبوة بعد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (وفقا للمعاني التي شرحها) فإن هذا يعني أن: "هذه الأمة ليس من نصيبها أي مكالمات أو مخاطبات إلهية"،
أو يعترف بأن المسيح الموعود عليه السلام كان نبيا بالمعنى المجازي "على الأقل" وفي هذه الحالة عليه أن يسلم بأن معنى "خاتم النبيين" ليس هو "آخر الأنبياء" على إطلاقه.
ولا يستطيع المرء أن يتمسك بالمعتقدين في آن واحد؛ إما واحدا أو الآخر!
وفي هذا الصدد، يكون موقف المسلم غير الأحمدي أفضل ممن يتمسك بالمعتقدات اللاهورية. فالمسلم غير الأحمدي لا يواجه هذه المعضلة لأنه لا يؤمن أصلا بأن المسيح الموعود عليه السلام كان نبيا بأي شكل من الأشكال - ولا حتى بالمعنى المجازي، ولا حتى بأنه كان محدثا! وبالتالي يمكنه أن يستمر على اعتقاده الخاطئ بأن عبارة "خاتم النبيين" تعني "آخر الأنبياء" مطلقا بدون أن يواجه أي تناقض في أفكاره المتعلقة بهذا الأمر – ولكنه طبعا سيواجه تناقضات من جوانب أخرى.
أما من يتمسك بالمعتقدات اللاهورية، فعليه أن يحل هذه المعضلة بإيجاد حل لهذا التناقض. إذا كان ما زال راغبا في التمسك بالمعتقد بأن سيدنا ميرزا غلام أحمد كان محدثا أو نبيا بالمعنى المجازي، فإن السبيل الوحيد للخروج من هذا التناقض هو أن يؤمن على الأقل بمعنى "خاتم النبيين" حسب مفهوم جماعة الخلافة. فلا يوجد أي تناقض على الإطلاق عند جماعة الخلافة، لأنهم لا يعتقدون أن "خاتم النبيين" تعني "آخر الأنبياء" على إطلاقها، وفي هذه الحالة لا يكون هناك أي تناقض في اعتقادهم بأن المسيح الموعود عليه السلام كان نبيا تابعا للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
وبقيت نقطة واحدة في هذا الصدد.
إذا كان الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، وبعده لن يظهر أي نبي آخر من أي نوع بأي حال من الأحوال، فكان لابد وأن يذكر القرآن الكريم هذه الأخبار بكل وضوح. ولكن القرآن الكريم لم يذكر ذلك في أي من آياته كما ذكر مثلا أن شريعة الدين الإسلامي هي آخر شريعة. فالقرآن يخبرنا أن الله لن يرسل أي شريعة بعد الشريعة الإسلامية؛ وذلك في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة 4). هنا أعلن الله تعالى بكل وضوح أن الدين قد اكتمل بنزول تعاليم الإسلام وأنه بذلك قد أتم هذه النعمة - أي نعمة إنزال الشريعة الإلهية. وبالتالي لن تكون هناك أي ضرورة لشريعة أخرى بعد ذلك في المستقبل، ولا يصح لأحد الآن أن يتوقع أي شريعة جديدة حتى يوم القيامة.
أما بالنسبة لظهور الأنبياء، فلم يخبرنا القرآن الكريم أبدا بأنه لن تكون هناك أي حاجة بعد ذلك لمجيء الأنبياء، وإنما أخبرنا أنه من يطع التعاليم الإلهية وسنة الرسول الأكرم – خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم - يمكنه أن يبلغ أعلى الدرجات الروحانية ومنها مرتبة النبوة؛ وذلك في قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (النساء 70-71)
هاتان الآيتان تؤكدان بأن من يطع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يمكنه أن ينعم بمرتبة النبوة – بحيث تكون نبوة تابعة أو ظلية لنبوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. ويضيف القرآن الكريم هنا أن هذا "الفضل من الله" سبحانه وتعالى، وبالتالي فإن من ينكر احتمال بعثة هذا النوع من النبوة في الأمة المحمدية فقد أنكر نزول هذا الفضل من الله، وطبعًا هذا يؤثر على إدراكه لكمال صفات الله عز وجل.
ومن ناحية أخرى كما ذكرنا من قبل، لم يخبرنا القرآن أبدا أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم كان آخر الأنبياء بل وصفه بأنه "خاتم النبيين". وهناك فرق بين العبارتين بكل تأكيد، ولا يجوز أبدًا تحميل الكلام الإلهي بمعنى غير المقصود.
كانت هذه هي نهاية التساؤلات التي دارت في ذهني في ذلك الوقت.
وبالطبع إنني اضطررت بعد هذا التحليل للأمر أن أعيد التفكير حول الأسباب التي جعلتني أنضم للجماعة اللاهورية. بدأت أسأل نفسي، هل كانت تلك الأسباب أسبابا حقيقية أم أنها كانت أوهاما كاذبة؟ بالتأكيد إنه لم تكن لي أية مصالح شخصية ولم أحصل على أية مكاسب دنيوية من ذلك. لقد أردت فقط أن أكون مع الفئة التي هي الجماعة الصادقة في نظر الله تعالى، بغض النظر من هم. فهل حققت ذلك؟ وإذا كنت قد حققته، فكيف يمكن أن تكون حالتي الروحانية في تدهور مستمر وقد اختفت سكينة نفسي بعد أن فقدت الحالة الروحانية التي كانت قد حققتها في الماضي؟ لماذا سببت لي مفاهيم المعتقدات اللاهورية هذا التدهور والهبوط الروحاني؟
وواجهت نفسي بالحقيقة. لقد تسرعت في قراري بالانضمام إلى الجماعة اللاهورية لأنني كنت أبحث عن أي وسيلة لخدمة دعوة المسيح الموعود (عليه السلام). وكان هذا هو الحل الوحيد المتاح أمامي في ذلك الوقت.
عندئذ راجعت المادة التي كتبتُها بنفسي عندما انضممت إلى الجماعة اللاهورية. هناك كتبت الأسباب وراء قراري بالانضمام لتلك الجماعة. وكان من الضروري أن أعيد النظر وأعيد تقييم هذه الأسباب.
وفيما يلي سأناقش باختصار ما كتبت في تلك المقالة التي نُشرتْ على موقع الجماعة اللاهورية وقتها. طبقًا لما هو مذكور فيها، يمكن تلخيص أسباب انضمامي إلى الجماعة اللاهورية في ثلاث نقاط عامة، وهي كالتالي:
1) القضية المتعلقة بطبيعة نبوة سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام، وموقف كل طرف من ذلك.
2) الفشل في إيجاد أي إجابات على الحجج التي أثارتها الجماعة اللاهورية على موقعها الإلكتروني ضد جماعة الخلافة.
3) المسألة المتعلقة بقيادة الجماعة.
هذه هي النقاط الثلاث التي ذكرتها في ذلك المقال والتي كانت أساس قراري للانضمام إلى الجماعة اللاهورية.
الآن سأناقش كل نقطة بالتفصيل. ولكن قبل القيام بذلك لابد من التأكيد أولاً على نقطة هامة. إن ما سأكتبه أدناه هو رأيي ووجهة نظري، وأكتب ذلك حسب معرفتي وتجربتي الشخصية. وسأذكر ما شهدته بنفسي ولن أخوض في تفاصيل الحجج التي تتعلق بتفنيد التهم التي تدَّعيها الجماعة اللاهورية ضد جماعة الخلافة. هذه الأمور منشورة الآن في كتابات جماعة الخلافة - الجماعة الإسلامية الأحمدية – وموجودة أيضا على موقع جماعة الخلافة على شبكة الإنترنت مع شرح وافٍ مدعوم بالعديد من الاقتباسات أيضا. وبالتالي أنا لن أكرر ذكر هذه النقاط هنا بل سأذكر فقط خواطري وملاحظاتي بعد تجربتي الشخصية. أما من يرغب في الحصول على معلومات أكثر تفصيلا وتفنيدا لادعاءات الجماعة اللاهورية ضد جماعة الخلافة، فيمكنه العثور على مزيد من المعلومات على موقع الجماعة الإسلامية الأحمدية.
كانت النقطة الأولى في مقالتي متعلقة بقضية نبوة المسيح الموعود عليه السلام. وكما ذكرت آنفا فإنه في رأيي لا يوجد فرق حقيقي في معتقدات الطرفين بشأن هذه المسألة. كان ما أشرت إليه في مقالي مستندا في الحقيقة على الفرق بين موقف كل طرف عملياً في هذا الصدد. سأقتبس هنا ما كتبته بالضبط فيما يتعلق بالمسألة العقائدية بالنسبة لنبوة المسيح الموعود عليه السلام. هناك كتبتُ:
"قرأت بعناية فائقة وجهة النظر اللاهورية في هذه المسألة. وجدت أن المكتوب هناك لم يكن مختلفا كثيرا عن معتقداتي الشخصية. كنت قد قرأت بعض الكتب العربية للمسيح الموعود عليه السلام، وفهمت هذه النقطة من قبل. كانت نبوته انعكاسًا لنبوة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. وهي ليست شيئا منفصلا ". (مقتطف من مقالتي التي كانت منشورة على الموقع اللاهوري)
إذن ففي هذه المقالة أعلنت بوضوح أنني من قبل - كفرد من جماعة الخلافة - كنت أعتقد بهذه المعتقدات. وقد أدركت أنني قبل قراءة وجهة النظر اللاهورية كانت معتقداتي بالنسبة لنبوة المسيح الموعود عليه السلام غير مختلفة عن معتقدات اللاهوريين في هذه المسألة.
إذن ما هو الاختلاف بين الطرفين؟ سأقتبس هنا مرة أخرى من مقالي حيث كتبت:
"ولكن هناك نقطة جديرة بالاهتمام. إن النبوة يجب أن تؤخذ هنا بالمفهوم المجازي، وليس بالمعنى الحقيقي. ولكن ما الفرق الذي سيترتب على ذلك؟ سيكون هناك فرقٌ كبيرٌ من الناحية العملية والموقف من المسلمين غير الأحمديين. كان هذا هو الفرق بين المعتقدات الأحمدية (أي جماعة الخلافة) والمعتقدات اللاهورية." (مقتطف من مقالتي التي كانت منشورة على الموقع اللاهوري)
لقد أشرت هنا إلى أن الفرق بين الطرفين هو فقط من الناحية العَملية والموقف تجاه المسلمين غير الأحمديين. وفيما يتعلق بوجهة نظر أفراد جماعة الخلافة، فقد وضّحتُ في مقالي موقفي الشخصي كأحمدية من جماعة الخلافة تجاه المسلمين غير الأحمديين، فكتبت:
"وكأحمدية (من جماعة الخلافة) لم أعتبر المسلمين الذين لم يقبلوا صدق المسيح الموعود عليه السلام بأنهم "غير مسلمين". كنت أسميهم فقط "مسلمين غير أحمديين". (مقتطف من مقالتي التي كانت منشورة على الموقع اللاهوري)
يعني ذلك أنني كأحمدية من جماعة الخلافة كنت أعتقد أنه لا يحق لأحد أن يصف أي شخص بالكفر، إذا أعلن شهادته بأن "لا إله إلا الله. محمد رسول الله".
وإنني أؤكد هنا أنني منذ أن انضممت إلى جماعة الخلافة لم أعتبر أبدا أن المسلمين الذين لم يقبلوا صدق المسيح الموعود عليه السلام بأنهم "غير مسلمين". كنت أعتبرهم فقط "مسلمين غير أحمديين". وأؤكد أيضا بكل صدق أنني منذ أن انضممت إلى جماعة الخلافة وحتى اليوم، لم يحاول أبدا أي أحمدي من جماعة الخلافة أن يقنعني أن المسلمين غير الأحمديين كفار، بل يصفونهم دائما بأنهم "مسلمون غير أحمديين".
والحقيقة أنني كنت فردا من أفراد جماعة الخلافة لسنين عديدة قبل تعرفي على الجماعة اللاهورية، وخلال كل هذا الوقت كنت دائما أتعلم أنه لا يحق لأحد أن يصف أي شخص آخر بأنه كافر. وقد نشرتْ جماعة الخلافة العديد من الكتب لتوضيح هذه النقطة ولتأكيد أن أي شخص يعلن كلمة الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) يكون من حقه أن يُعتبر مسلما، ولا يحق لأحد أن يعلن أنه كافر. وبعض هذه الكتابات ألفها إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية في ذلك الوقت؛ سيدنا مرزا طاهر أحمد – خليفة المسيح الرابع رحمه الله – بنفسه، وبطبيعة الحال هذا يعكس رأي جماعة الخلافة بأسرها.
وعودة إلى مقالتي. لقد شرحت فيها تفاصيل الإختلافات بين الطرفين فيما يتعلق بموقفهم من المسلمين غير الأحمديين. كانت كلها اختلافات من الناحية العَملية ولم تكن لها أي صلة بالعقائد. وقد أعطيت ثلاثة أمثلة على ذلك وهي كالتالي:
1) أفراد جماعة الخلافة لا يصلّون وراء الإمام الغير أحمدي
2) أفراد جماعة الخلافة لا يسمحون بزواج بناتهم من أزواج غير أحمديين.
3) أفراد جماعة الخلافة لا يصلّون صلاة الجنازة على غير الأحمديين.
استخدمت هذه الأمثلة الثلاثة من أجل بيان الفرق بين جماعة الخلافة والجماعة اللاهورية عند التعامل مع المسلمين غير الأحمديين.
كان أفراد الجماعة اللاهورية يتهمون جماعة الخلافة بأنها لا تتبع تعاليم المسيح الموعود عليه السلام في هذه الأمور الثلاثة؛ حيث إنهم يمتنعون عن الصلاة خلف الأئمة المسلمين غير الأحمديين ولا يزوّجون بناتهم للمسلمين غير الأحمديين ولا يصلّون الجنازة على المسلمين غير الأحمديين، مع أن المسيح الموعود عليه السلام لم يأمر بذلك (حسب رأي الجماعة اللاهورية).
وهنا أقول أنه بالنسبة للصلاة خلف الأئمة من المسلمين غير الأحمديين، عرفتُ أن المسيح الموعود عليه السلام قد نهى أتباعَه عن الصلاة خلف الأئمة غير الأحمديين. والسبب الذي وضحه لهم هو أن هؤلاء الناس يسيئون للأحمديين ويصفونهم بالكفر، وقد روي:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ (صحيح مسلم - كتاب الإيمان)
هذا الحديث يعني أن الذي يتّهم مسلمًا بالكفر بغير صحة في كلامه، فإنه يصبح هو نفسه كافرا. وبالتالي فإن المسيح الموعود عليه السلام نهى أتباعه عن الصلاة خلف هؤلاء الأئمة لأنهم بإعلانهم أن الأحمديين كفار فإنهم يصبحون هم أنفسهم كفارا، وبالتالي لا يجوز الصلاة خلفهم (لأن المسلم لا يصلي خلف الكافر).
أما المسلمون غير الأحمديين الذين لا يُكفِّرون الأحمديين، فالصلاة خلفهم أيضا لا تصحّ. والسبب في ذلك هو أن غير الأحمديين قد رفضوا صدق المسيح الموعود عليه السلام، وبعملهم هذا فهُمْ يعتبرون ضمنًا أنه كاذب والعياذ بالله، سواء أعلنوا ذلك صراحة أو أخفوه في صدورهم. وحتى لو أعلن غير الأحمدي أن سيدنا مرزا غلام أحمد كان رجلا صالحا ولكنه بالرغم من ذلك لم يبايعه، فإن هذا يعني أيضا أنه غير صادق في إعلانه، لأنه إذا كان يعتقد حقا أنه كان رجلا صالحا فلابد ألا يظن أبدا أنه كان كاذبا في إعلانه بأنه هو المسيح الموعود؛ وبالتالي لن يتردد أبدا في مبايعته.
علاوة على ذلك فإن رفض غير الأحمديين لمبايعة المسيح الموعود عليه السلام يعني أنهم عصوا أوامر الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. فقد عصوا الله لأن الله هو الذي أرسل المسيح الموعود عليه السلام إلى العالم من أجل تحقيق غرض معين، ورفضُ دعوة مبعوث من عند الله يعني معصيةُ الله الذي أرسل هذا المبعوث، لذلك فإن عدم إيمان غير الأحمديين بصدق المسيح الموعود عليه السلام يعني معصية الله. وفي نفس الوقت هم أيضا يعصون أوامر الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي أمر المسلمين بكل وضوح أن يبايعوا المسيح الموعود عليه السلام ولو حبوًا على الثلج؛ حيث روي عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ (سنن ابن ماجه - كتاب الفتن). وهذا الحديث يبين مدى أهمية أخذ بيعة المسيح الموعود عليه السلام، واتباع تعاليمه في طاعة كاملة. فلو رفض أي مسلم بعد ذلك بيعة المسيح الموعود عليه السلام فإنه بذلك قد عصى أوامر الله والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. فلماذا يصلي الأحمدي المطيع لأوامر الله ورسوله خلف شخص غير مطيع لله ورسوله؟
إذن الأمر لا يتعلق بأن الأحمدي يعتبر غير الأحمدي كافرا. إنها مسألة ضمنية. عندما يتبع مسلم الإمام في صلاته، فهو يتبعه في كل حركة وعمل، وهذا يعني أنه يطيع الإمام طاعة كاملة. فإذا آمن الإمام بمعتقدات مختلفة عن هذا المسلم، فإنه لا يصح لذلك المسلم أن يتبع ذلك الإمام في صلاته لأن الصلاة خلفه في هذه الحالة ستعني أنه يقبَل معتقداته أيضا.
أما النقطة الثانية التي تتعلق بزواج الفتيات الأحمديات من المسلمين غير الأحمديين، فإن ما ينطبق على الإمام الذي يؤمّ الصلاة ينطبق أيضا على الزوج الذي يمثّل رأس أسرته.
إنه من واجب الزوجة المسلمة أن تكون مطيعة لزوجها في كل الأمور. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا (سنن الترمذي - كتاب الرضاع)
فإذا كان على الزوجة المسلمة أن تكون مطيعة دائما لزوجها بهذه الدرجة، فكيف سيكون الحال بالنسبة للزوجة الأحمدية المطيعة إذا كان زوجها غير مؤمن بصدق المسيح الموعود عليه السلام؟ كيف يمكن للزوجة الأحمدية المطيعة أن تتبع زوجها وتطيعه وقد عصى الله ورسوله؟ هل ستتبعه في المعصية؟ ألن يسبب ذلك الخلافات المستمرة والشجار بينهما خلال حياتهما اليومية معًا؟ وكيف ستعيش هذه الزوجة حياتها كأحمدية؟ وكيف ستربي أولادها؟ وكيف ستعلّم أولادها اتّباعَ تعاليم الإسلام الصحيحة والتمسك بالمعتقدات السليمة؟
هذه هي الأسباب التي من أجلها حذر المسيح الموعود عليه السلام أتباعه من السماح لبناتهم بالزواج من غير الأحمديين. ولم ينصحهم بذلك لأنه اعتبر غير الأحمديين كفارا، بل كان ذلك من أجل إنقاذ الحياة الأسرية من المتاعب في المستقبل. لذلك فإن هذه النصيحة التي اتَّبعها الأحمديون من جماعة الخلافة حكيمة جدا.
الآن أنتقل إلى النقطة الثالثة المتعلقة بصلاة الجنازة على غير الأحمديين. لقد علِمت في وقت لاحق أن الأحمديين يصلّون صلاة الجنازة على غير الأحمديين في ظروف خاصة، بشرط أن يكون الإمام في الصلاة أحمديا. وهذا يتفق تماما مع نصائح وتعاليم المسيح الموعود عليه السلام. لذلك ليست هناك حاجة للمزيد من النقاش بشأن هذه المسألة.
وخلاصة القول، يتضح مما سبق أنه بالنسبة لهذه الأمور السابق ذكرها، فإن الأحمديين من جماعة الخلافة لا يفعلون أي شيء ضد تعاليم المسيح الموعود عليه السلام، وإنما يتصرفون وفقًا لأوامره ويتبعون نصائحه وإرشاداته التي ذكرها في هذا الصدد.
لقد أسس المسيح الموعود عليه السلام الجماعة الإسلامية الأحمدية بناء على تعليمات إلهية، ولم يكن الغرض من تأسيس هذه الجماعة إضافة طائفة أخرى إلى العديد من الطوائف التي كانت موجودة بالفعل في الأمة الإسلامية. لقد كان الغرض هو تأسيس جماعة روحانية فريدة من أجل محبّي الحق والسلام؛ حتى ينضموا إليها وينتموا إليها. وكان الغرض هو إنشاء أرض روحانية جديدة من أجل كل الباحثين عن الهداية الإلهية حتى يسكنوا فيها. وكان الغرض هو تشكيل جيش روحاني موحد تحت قيادة واحدة من أجل كل أولئك الراغبين من أعماق قلوبهم أن يضحوا بكل غال ونفيس في سبيل الله تعالى، وأن يجاهدوا من أجل إقامة توحيده سبحانه وتعالى في العالم. لقد تهيأت الفرصة لتحقيق كل هذه الأهداف، والتي من أجلها أسس الله سبحانه وتعالى هذه الجماعة المباركة. هل يُعقل الآن أن يظن أحد أن أفراد هذه الجماعة السامية النبيلة يمكن أن يتبعوا أي قائد لا ينتسب إلى هذه الجماعة الكريمة؟ سواء كان هذا القائد هو الإمام في المسجد أو الزوج في المنزل، هل من المنطقي أن يقبل أحد أفراد الجماعة الإسلامية الأحمدية قيادته ويطيعه طاعة كاملة؟ هل هذا معقول أو منطقي؟ هل يمكن حتى تخيل ذلك؟
بالتأكيد إن أي شخص من أتباع المسيح الموعود عليه السلام الذين يعتبرون أنفسهم من المخلصين الصادقين – سواء كان من جماعة الخلافة أو الجماعة اللاهورية – ويرغب بالفعل في اتباع الحق، سوف يرفض اتّباع قيادة منكرة لصدق المسيح الموعود عليه السلام. بدون شك أن أي تابع مخلص للمسيح الموعود عليه السلام لن يقبل أبدا هذه القيادة؛ وسوف يرفض قلبه ذلك بكل تأكيد.
إذا كان اللاهوريون بالفعل مخلصين في رغبتهم لاتّباع نصائح وتعاليم المسيح الموعود عليه السلام فلن يجدوا مفرًا من اتّباع جماعة الخلافة في موقفها العقائدي والعملي. سيكون عليهم أن يتوقفوا عن الصلاة خلف الأئمة غير الأحمديين، وسيكون عليهم منع زواج بناتهم من أزواج غير أحمديين.
وبالتدريج بدأت الأمور تتضح لي، وبدأت الاعتراضات التي أثارها اللاهوريون ضد جماعة الخلافة بشأن موقفهم تجاه المسلمين غير الأحمديين تتلاشى واحدا تلو الآخر. وبدأت أرى أنه حتى في الموقف العملي تجاه المسلمين غير الأحمديين، فإن موقف جماعة الخلافة هو الصحيح.
كان موقف جماعة الخلافة تجاه المسلمين غير الأحمديين غير مخالف بأي شكل من الأشكال لتعاليم المسيح الموعود عليه السلام، بل كان مطابقا لتعاليمه. لم يكن عند اللاهوريين أي أسس صلبة لانتقاد جماعة الخلافة في هذا الصدد. وقد ثبت أن أسس انتقاداتهم كانت واهية وليس فيها أي صحة. وبالتالي تأكد لي أن سبب الخلاف بين الجماعتين هو الاختلاف على قيادة الجماعة ولم يكن له أي أساس عقائدي منذ البداية. فكما ذكرت أعلاه، كنت قد أدركت أيضا قبل ذلك أن المسألة المتعلقة بنبوة المسيح الموعود عليه السلام ليست هي الأساس الحقيقي للانقسام الذي حدث في الجماعة!
الآن أنتقل إلى السبب الثاني الذي اتخذت به قراري للانضمام إلى الجماعة اللاهورية، وهو يتعلق بعدم العثور على أي ردود على الحجج اللاهورية التي كانت على موقع شبكة الإنترنت الخاص بهم.
عندما قرأت لأول مرة الحجج اللاهورية على موقعهم، كان من الطبيعي أن أعود إلى جماعة الخلافة من أجل العثور على ردود على هذه النقاط. في ذلك الوقت لم أستطع أن أجد أي إجابات في موقع جماعة الخلافة على شبكة الإنترنت. ولذلك اتجهت إلى الكتب المتاحة لدي وأيضا إلى أفراد جماعة الخلافة المتاح الاتصال بهم في ذلك الوقت. ولكني لم أتمكن أيضا من العثور على أي ردود مقنعة. من هذا افترضت بالخطأ أن جماعة الخلافة ليست لديها أي ردود.
ولكن في وقت لاحق، تلقيت العديد من الإجابات من بعض الأحمديين، من خلال رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية والزيارات الشخصية والكتيبات العربية الجديدة التي طُبعت عن هذا الموضوع. وقد اشتملت الردود على كل الحجج والمسائل التي أثارتها الجماعة اللاهورية على موقعها. وبطبيعة الحال ساعدني ذلك كثيرا من أجل توضيح العديد من النقاط التي كانت غامضة في ذهني.
والسؤال الآن هو: لماذا لم تكن هذه الإجابات متوفرة عندما كنت في حاجة إليها؟
الإجابة على ذلك في منتهى البساطة. إنما سببه هو أن الأحمديين من جماعة الخلافة مشغولون للغاية من أجل القيام بأعمال أكثر أهمية. إنهم يسعون باستمرار جاهدين من أجل نشر رسالة المسيح الموعود عليه السلام في العالم. لقد أجابوا على هذه الادعاءات اللاهورية منذ وقت طويل، وبعد ذلك وجهوا مجهوداتهم للقيام بأعمال هامة أخرى. كانت الإجابات موجودة ولكن لم تكن متاحة لي في ذلك الوقت. وقد استغرق الأمر منهم بعض الوقت كي يوفروا لي الأجوبة باللغة التي أفهمها. ولكنني لم يكن عندي الصبر الكافي للانتظار حتى تصلني الإجابات لأنني لم أكن على علم أن هناك ردودا على هذه الأمور. ولقد افترضت عدم وجود إجابات لهذه المزاعم اللاهورية ضد جماعة الخلافة لأنني كنت معتادة على المستوى العالي جدا من الكفاءة التي تتمتع بها جماعة الخلافة، وبالتالي فعندما لم تتوفر لي الإجابات على هذه الادعاءات بشكل فوري، افترضت بالخطأ أنه لا وجود لها. ولكن عندما توفرت لي الردود في وقت لاحق، فهمت أنني كنت مخطئة في افتراضي. كانت الإجابات واضحة جدا ومقنعة. وبذلك أزالت سوء الفهم في ذهني.
وهذا التأخير في توفُّر ردود جماعة الخلافة على الادعاءات اللاهورية يثبت نقطة هامة أخرى. إن أفراد جماعة الخلافة يختلفون عن اللاهوريين في أنهم لا يضيعون وقتهم في الانخراط كثيرا في المعركة بين الطرفين. فكما ذكرت أعلاه، لقد بدأت أنتبه للكراهية والعداء الشديد بين الجماعة اللاهورية وجماعة الخلافة فقط بعد انضمامي إلى الجماعة اللاهورية. قبل ذلك لم أكن على علم بهذه المشاعر بين الطرفين. وأنا شاهدة على ذلك. لقد كنت فردا من أفراد جماعة الخلافة - الجماعة الإسلامية الأحمدية - لمدة طويلة قبل انضمامي للجماعة اللاهورية. وخلال هذه الفترة، لم أسمع حتى ولو مرة واحدة أي أحمدي يسيء بالقول ضد اللاهوريين. ولم أر حتى ولو مرة واحدة أي كتاب يسيء للاهوريين أو حتى مكتوب عن اللاهوريين. ولكن بعد انضمامي إلى الجماعة اللاهورية، شعرتُ على الفور بسوء مشاعر اللاهوريين ضد الأحمديين من جماعة الخلافة. وبدأت أرى العديد من المقالات والكتب المنشورة ضد جماعة الخلافة وخلفائها. وقد اتضحتْ لي على الفور مشاعر كراهية اللاهوريين لجماعة الخلافة وقادتها من خلفاء المسيح الموعود عليه السلام.
إن هذا يكشف أن المعركة بين الطرفين ليست معركة حقيقية. إنها حرب من جانب واحد. فلقد استمرت الجماعة اللاهورية طوال الوقت في هجومها ضد جماعة الخلافة، وعلى النقيض من ذلك، بقيت جماعة الخلافة صامتة بدلاً من الرد على اللاهوريين، وواصلت القيام بأعمال أكثر أهمية للبشرية. لقد نشرتْ جماعة الخلافة الردود على اتهامات الجماعة اللاهورية في الماضي وأردفت بردود أخرى فقط عندما كان من الضروري أن تفعل ذلك، ثم عادت بعد ذلك بهدوء للقيام بأعمال هامة من أجل الإنسانية. ولذلك لا نستطيع أن نلوم جماعة الخلافة على هذا الوضع الذي يمكن شرحه بكلام المسيح الموعود عليه السلام في كتابه "رسالة السلام":
والآن أجيبوني بصدق: إذا سبّ أحدٌ أبا الآخر أو رمى أمَّه بتهمة، أفلا يهاجم شرفَ أبيه هو؟ فإذا شتم المشتومُ الشاتمَ بمثل ما شتمه، فهل يكون في غير محله القول بأن البادئ بالشتيمة هو السبب وراء الشتيمة بالمثل في الواقع؟ وفي هذه الحالة يكون الشاتم هو المسئول عن الإساءة إلى شرف أبيه وأمه.
لقد علّمنا الله تعالى في القرآن الكريم طريق الأدب ودرس الأخلاق إذ يقول:(لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ). أي لا تسبّوا آلهة المشركين لأنهم سيسبّون إلهكم في الجواب إذ لا يعرفون ذلك الإله. انظروا الآن؛ فمع أن الأوثان لا حقيقة لها على الإطلاق بحسب تعليم الله تعالى، ومع ذلك يُعلِّم الله المسلمين الخُلق بأن يمتنعوا عن سب الأوثان أيضا، وأن يوضِّحوا الأمر لعبدة الأوثان بالرفق واللين لئلا يثوروا فيسبوا الله، فيكون المسلمون هم المسؤولين عن هذا السباب. (رسالة السلام)
كم هي صحيحة وصادقة تلك الكلمات للمسيح الموعود عليه السلام. إذا بدأ شخص بالإساءة لآخر، فإنه لا يستطيع أن يلوم الآخر عندما يردّ عليه. وإذا هاجم أحد قائد جماعة معينة، فإنه لا يستطيع أن يدين أفراد هذه الجماعة عندما يدافعون عن قائدهم.
وعندما أدركت كل هذا شعرت بالذنب الشديد. فبدلاً من مساعدة جماعة الخلافة في جهودها من أجل نشر دعوة المسيح الموعود عليه السلام في العالم، كنتُ سببًا في تشتيت انتباههم. بكل تأكيد إنني لست بهذا الشخص المهم على أي حال، ولا يمكنني أن أمنع الجماعة الإسلامية الأحمدية من هذا العمل العظيم الذي تقوم به أو أؤثر عليه، لكنني تسببت في تعطيل بعض أفرادها لفترة من الوقت لأنهم اضطروا إلى ترك عملهم الهام من أجل توفير الإجابات التي كنت بحاجة إليها.
وبحل هذه النقطة الثانية ظلت الحاجة لتسوية القضية الثالثة التي على أساسها قررت الانضمام إلى الجماعة اللاهورية، وهي المسألة المتعلقة بقيادة الجماعة. وفي هذا الصدد كتبت في مقالتي التالي:
"الآن بشأن قيادة الجماعة. في السابق كان عندي انطباع خاطئ بأن الجماعة اللاهورية ليس لها قائد. هذا جعلني أعتقد أنه لا بد وأن يكون اللاهوريون على خطأ، لأنه في وحدة القيادة تقع وحدة المسلمين. إن وحدة القيادة هي سمة أساسية من سمات الإسلام وبدونها لا يمكن أبدا أن تتحقق وحدة المسلمين. ولكن بعد قراءة بعض المعلومات عن الجماعة اللاهورية، اكتشفت أن هناك قائدا لهذه الجماعة، وإن لم يكن بالصورة التي كنت أتوقعها. واكتشفت أيضا أن المسيح الموعود قد عين بنفسه - خلال حياته – الخليفة الذي سيقود جماعته من بعد رحيله من هذا العالم. فخلال حياته أنشأ المسيح الموعود "الأنجمن" - وهي هيئة تنفيذية مكونة من أربعة عشر عضوا - ووصف هذه الهيئة بأنها خليفته. ولقد ذكر ذلك في كتابه "الوصية". إن الجماعة اللاهورية لا تزال معتبرة أن هذه الهيئة - الأنجمن – هي قائدها. بعبارة أخرى، فإن الجماعة اللاهورية هي المتبعة لهذه التعليمات من المسيح الموعود ". (مقتطف من مقالتي التي كانت منشورة على الموقع اللاهوري)
هناك بعض النقاط التي تحتاج إلى توضيح هنا.
النقطة الأولى والأهم التي أود أن أسلط الضوء عليها هنا هي أنني في مقالتي لم أذكر أي شيء ضد قيادة جماعة الخلافة. لم أكن أرى أي نقاط سلبية في نظام الخلافة ولم أجد أي أخطاء فيها. على العكس من ذلك، لقد اعترفت في مقالتي بأن:
" في وحدة القيادة تقع وحدة المسلمين. إن وحدة القيادة هي سمة أساسية من سمات الإسلام وبدونها لا يمكن أبدا أن تتحقق وحدة المسلمين.".
إذن فبهذا القول لم أكن أحاول إيجاد أي خطأ في نظام الخلافة، وإنما كنت أؤكد موافقتي على هذا النظام وقبولي له. وقد وضحت أيضا أن قبولي للنظام اللاهوري استند على أنه كان يوفي شرط التمتع بوحدة القيادة كما هو الحال بالنسبة لنظام جماعة الخلافة.
لذلك يمكن القول أنني لم أرفض نظام الخلافة، بل قبلت نظامًا أخر مماثل له.
ولكن ما هي الحاجة إلى قبول ذلك النظام المماثل؟ هل كان هذا يعني أنني كنت غير راضية عن نظام القيادة في جماعة الخلافة؟ بالطبع لا، وبالتأكيد لم يكن هذا هو الحال.
فبقبولي للنظام اللاهوري لم أكن أقصد أبدا أن أرفض نظام الخلافة أو أختلف معه. لقد كان أساس قبولي للنظام اللاهوري هو المعلومات الخاطئة التي فهمتها من الموقع اللاهوري، وهي أن المسيح الموعود عليه السلام قد عين بنفسه "الأنجمن" خليفةً له من أجل قيادة جماعته بعد رحيله من هذا العالم. فقد كان هذا يعني أنه لم يترك لنا أي خيار في هذه المسألة، وبالتالي ليس لدينا أي بديل آخر. لهذا السبب افترضت أن اللاهوريين كانوا هم الجماعة التي تتبع تعليمات المسيح الموعود عليه السلام. ولكني في وقت لاحق عرفت أن المسيح الموعود عليه السلام قد عين "الأنجمن" فقط من أجل إدارة شؤون نظام "الوصية"؛ وهذا قسم واحد في الجماعة. أما بالنسبة لقيادة الجماعة ككل، فلم يعين خليفته، وبهذا كان يعني أن يقول بأن الله هو الذي سيقرر من سيكون خليفته. لقد حذا المسيح الموعود عليه السلام حذو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد.
إذن لقد كان أساس قراري مبنيًا على معلومات غير صحيحة. وكان نتيجة عدم فهمي لما كان مكتوبا في كتيب "الوصية".
وفي الحقيقة، إنني عندما قبلت النظام اللاهوري، كنت أفعل هذا فقط طاعة للتعليمات التي كانت تبدو لي بالخطأ أنها من تعليمات المسيح الموعود عليه السلام، ولكنني في أعماق قلبي كنت أشعر بالحزن بسبب ابتعادي عن نظام الخلافة.
لقد مرت سنوات منذ انضمامي إلى جماعة الخلافة، وخلال كل هذا الوقت، كنت أعمل بشكل متواصل مع فريق من الأحمديين الذين كانوا يسعون جاهدين باستمرار من أجل نشر رسالة الإسلام الحقيقي في العالم. كنا جميعا نعمل تحت القيادة المباركة لسيدنا مرزا طاهر أحمد، خليفة المسيح الرابع رحمه الله. كانت علاقتي طيبة جدا مع كل أفراد الجماعة الذين تعاملت معهم. وقد عملت أيضا عن كثب مع خليفة المسيح الرابع رحمه الله. كنت أحبه كثيرا وأحترمه بشدة. لم يكن بالنسبة لي مجرد قائد الجماعة، بل كان الإمام الروحاني والمستشار والوالد والصديق. لم يكن مجرد إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية، بل كان القوة الدافعة لها والروح التي تمنحها الحياة. لقد تشرفت جدا بالعمل تحت قيادته. كان هو الرأس لعائلتي الروحانية التي كنت أحبها حقا واستمتعت بصحبة كل أفرادها المخلصين. كنت سعيدة جدا بالانتماء إلى هذه الجماعة الكريمة والتي هي جماعة الله المختارة. ولكن بعد أن فهمتُ بالخطأ أن تعليمات سيدنا مرزا غلام أحمد عليه السلام هي أن يكون "الأنجمن" هو خليفته، لم يكن لدي أي خيار. كان عليَّ أن أطيع هذه التعليمات. ولقد كانت تضحية كبيرة بالنسبة لي أن أتخلى عن الجماعة التي كانت عزيزة جدا على قلبي، ولكنني اعتقدت أنني كنت أفعل هذا طاعة للمسيح الموعود عليه السلام، الذي أرسله الله كي يهدينا إلى الطريق الحقيقي للإسلام. ولقد عبرت عن مشاعري بهذه الكلمات في مقالتي:
"كان هذا وضعًا صعبا مرة أخرى. عندما انضممت في البداية إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية، اضطررت للتضحية بما كان عندي من المقتنيات المادية وأيضا أقاربي وأصدقائي. ولكن هذه المرة كانت مختلفة. كان عليَّ التضحية بممتلكاتي الروحانية وأيضا أقاربي وأصدقائي الروحانيين. ولابد أن أقول هنا أن المجموعة الأخيرة هي دائما أغلى بكثير من الأولى. فالروابط الروحانية تكون بطبيعة الحال أقوى بكثير من الروابط المادية. ولكن لم يكن لدي أي خيار؛ إن الله ودينه الحق أحب إلى نفسي من أي شيء آخر". (مقتطف من مقالتي التي كانت منشورة على الموقع اللاهوري)
بالانضمام إلى الجماعة اللاهورية قدمت هذه التضحية – وهي ترك عائلتي الروحانية التي هي الأحبّ إلي. لم أتردد في تقديم هذه التضحية لأنني اعتقدت أن هذا كان في طاعة الأوامر الإلهية التي وصلتنا عن طريق تعليمات المسيح الموعود عليه السلام. لذلك اضطررت لترك عائلتي الروحانية الحبيبة. صحيح أنه بعد انضمامي إلى الجماعة اللاهورية، أصبح اللاهوريون أنفسهم كأفراد أسرة عزيزة؛ وقد عاملوني بلطف واحترام، وتوطدت علاقتي مع بعضهم، ولكن بالرغم من ذلك فإن مشاعري الطيبة تجاه الأحمديين من جماعة الخلافة - عائلتي الروحانية الأصلية - لم تتغير.
والحقيقة أن هذه المشاعر تسببت في بطئي وتأخري في الاعتراف بأنني تسرعت وأخطأت في قراري بالانضمام إلى الجماعة اللاهورية. فحتى بعد أن تبين لي أن كل أسباب قبولي للمعتقدات اللاهورية كانت زائفة ووهمية، ترددت لفترة من الوقت في أن أعترف بخطأي. وكان السبب في ذلك هو قلقي أن أكون مائلة إلى جانب جماعة الخلافة فقط بسبب المحبة الشخصية لهذه الجماعة. كنت قلقة من أن يكون حبي العميق واحترامي الكبير لحضرة خليفة المسيح الرابع رحمه الله هو السبب وراء ميلي لقبول نظام الخلافة الأحمدية. كنت أرغب في التأكد من أن قبولي لنظام جماعة الخلافة يقوم على أسس سليمة ومتينة وليس حسب ميول النفس ومحبة القلب.
كان وقتًا صعبا للغاية بالنسبة لي، وعانيت نفسيا بشدة في تلك الفترة. كنت أشعر بالمحبة تجاه أفراد الجماعتين لأنني أحب كل من يؤمن بصدق المسيح الموعود عليه السلام. أردت أن أنتمي للجماعتين في نفس الوقت حتى أكون مع كل أتباع المسيح الموعود عليه السلام. وللهروب من هذا الوضع الصعب، وجدت حلًا. فكرت أنه إذا اتحدت الجماعتان فلن أضطر إلى مواجهة مشكلة اختيار واحدة وترك الأخرى. لذلك قررت محاولة تحقيق السلام والوحدة بين هاتين الجماعتين.
في ذلك الوقت بدأت في كتابة رسالة إلى والدي الروحي سيدنا خليفة المسيح الرابع رحمه الله. في تلك الرسالة شرحت مشاعري ورغبتي في أن يتحد كل أتباع المسيح الموعود عليه السلام المؤمنين بصدقه؛ وذلك حتى نتمكن جميعا من توحيد العالم كله تحت راية الإسلام الحقيقي. وقد أسست رسالتي على ما كتبه المسيح الموعود عليه السلام نفسه في كتابه الأخير "بيغام صلح" – أو "رسالة سلام"، وهي المحاضرة التي كتبها المسيح الموعود عليه السلام في آخر يومين أو ثلاثة من أيام حياته. وقد ذكر فيها أنه من أجل إقامة السلام يجب على كل طرف احترام قادة الطرف الآخر. وبالتالي قدمت نفس الاقتراح بأن يلتزم أفراد الجماعتين باحترام قادة الطرف الآخر وعدم الإساءة لهم بأي شكل من الأشكال. ووضحت أيضا أنه إذا نجحنا في تحقيق ذلك، تَمكّنّا من إقامة السلام بين الطرفين ومن ثم ستكون هناك فرصة لأفراد كل جماعة أن يتعرفوا على أفراد الجماعة الأخرى، وبالتالي سيكون كل طرف قادرا على رؤية كيفية إدارة نظام الطرف الآخر. وبكل تأكيد إن الطرف الذي يتمتع بالتأييد الإلهي سيكون هو الأبرز في تفوقه على الطرف الآخر، وبالتالي سيظهر للجميع من هو الطرف الذي يؤيده الله وينصره. وطبعًا سيضطر الطرف الآخر إلى الإنضمام إلى قيادة الطرف المتفوق والمؤيد من الله. وعندما يحدث ذلك، فإننا سوف نجد أن الجماعتين قد تم دمجهما في جماعة واحدة، تحت القيادة التي تتمتع بالتأييد الإلهي.
طبعًا لم أرسل هذه الرسالة أبدا إلى خليفة المسيح الرابع رحمه الله. فقبْل أن أتمكن من إرسالها، بدت لي الحقائق الواضحة التي لا يمكن إغفالها.
فلقد وضعت لنفسي في هذه الرسالة المبادئ التوجيهية التي يمكن أن تساعدني على اتخاذ القرار والاختيار بين الجماعتين بدون اعتماد على أي مشاعر شخصية أو ميول للنفس.
فأولا وقبل كل شيء، كنت قد اقترحت في رسالتي أنه من أجل تحقيق السلام، لا بد أن يحترم كل طرف قادة الطرف الآخر. ولكن الحقيقة التي كانت واضحة لي في ذلك الوقت هي أن الهجوم كان يبدأ دائما من طرف واحد فقط. فكما ذكرت أعلاه، إن جماعة الخلافة لم تبدأ بالهجوم أبدا، بل إن اللاهوريين هم الذين كانوا دائما البادئين للهجوم. وكانت جماعة الخلافة ترد عليهم فقط من أجل الدفاع، فلماذا نلوم جماعة الخلافة على ذلك؟ لو كف اللاهوريون عن الهجمات، فإن جماعة الخلافة لن تذكر حتى هذا الموضوع!
ثم إنني أيضا في رسالتي اقترحت إقامة السلام بين الجماعتين حتى تتسنى لكل طرف الفرصة للتعرف على الطرف الآخر. وبالطبع فإن النتيجة المتوقعة هي أن الجماعة التي تتمتع بالتأييد الإلهي ستجذب الأخرى إليها، وبهذا تتحقق الوحدة المرجوة بين الجماعتين.
وعندئذ كان عليَّ أن أواجه نفسي بالسؤال: هل أنا بالفعل بحاجة للخوض في كل هذه الأمور من أجل اتخاذ القرار المتعلق بالجماعة التي تتبع المسار الصحيح؟ هل أنا بحاجة لانتظار حدوث كل هذه الأمور من أجل أن أقرر أي طرف كان متمتعاً بالتأييد الإلهي؟ لقد شهدت بنفسي فعليًا النظام الإداري لكلا الطرفين. ولقد شهدت بنفسي النتائج التي حققها كل طرف. ولقد شهدت بنفسي أن هناك جماعة متميزة عن الأخرى. لقد شهدتُ بالفعل المحبة الإلهية التي تتمتع بها إحدى الجماعتين، ورأيت بنفسي التأييد والنصر الإلهي الذي يتنزل على هذه الجماعة المتميزة وقادتها. لذلك لم أكن بحاجة إلى انتظار تحقيق السلام بين الطرفين حتى أقارن بين الجماعتين؛ فلماذا أنتظر كل هذا الوقت من أجل اتخاذ قراري؟
كان الوقت قد حان للعودة إلى "الوطن".
لم تكن عودتي إلى جماعة الخلافة تعني أنني أكره اللاهوريين. لقد التقيت ببعض أفراد الجماعة اللاهورية وقد رأيت منهم المعاملة الحسنة ولذلك سأحتفظ بالمشاعر الطيبة تجاههم دائما.
ولكن بالطبع إن المحبة الشخصية لا يمكن أبدا أن تكون أساسا للقرارات الدينية. ففي المسائل الروحانية يجب أن نتبع فقط الهداية الإلهية، بغض النظر عن ميولنا ومشاعرنا الشخصية.
أما قيادة الجماعة الإسلامية الأحمدية، فيجب اتّباع مَن عينه الله لهذا المنصب، ومن أيده ونصره. كنت في ذلك الوقت قد عملتُ سنين تحت إدارة سيدنا مرزا طاهر أحمد – خليفة المسيح الرابع رحمه الله، وخلال هذه السنوات شاهدت علامات تأييد الله والنصرة الإلهية النازلة من السماء عليه شخصيا وأيضا على أفراد جماعته الصادقين. إن الحب والاحترام الذي كان يكنّه له أفراد الجماعة الإسلامية الأحمدية ليس زائفا أو وهميا. فهم لم يُكرَهوا على ذلك، ولم يفرض عليهم أحد هذا ولم يلزمهم به أحد. لقد اكتسب حضرته هذا الحب والاحترام بنفسه حيث فاز بقلوب أتباعه من خلال الصفات الفريدة في شخصيته. ولذلك، فإن أفراد جماعته كانوا يعملون تحت إدارته في طاعة كاملة. وأضيف هنا أن الحب والاحترام والمحبة والطاعة من قبل أفراد الجماعة تجاه خليفتهم هي أمور لا تنطبق فقط على خليفة المسيح الرابع رحمه الله، بل تنطبق على كل خلفاء المسيح الموعود عليه السلام. وبكل تأكيد إن هذا ليس شركًا (عبادة أي شيء أو أي شخص آخر غير الله)، كما يعتقد اللاهوريون. إن جماعة الخلافة لا تعبد خليفتها ولا تؤلهه. إن أفرادها يعتبرون الخليفة قائد الجماعة الذي تم تعيينه من قبل الله من أجل نشر وحدانيته في العالم، وهم ملزمون بطاعته الكاملة طبقا للآية القرآنية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء 60).
إن جماعة الخلافة مباركة بقيادة الشخص الذي عينه الله من أجل قيادة جماعته المختارة. والنعم التي أسبغها الله على الجماعة الإسلامية الأحمدية تشهد على صدق هذه الحقيقة.
وبعد عودتي إلى جماعة الخلافة شعرت بالراحة والاطمئنان في مسكني الروحاني بعد رحلة من القلق والعناء دامت عدة أسابيع.
كنت خلال الفترة التي ابتعدت فيها عن جماعة الخلافة، أبكي كثيرا مثل الطفل الصغير الذي ابتعد عن أمه وافتقد حضنها الدافئ. كنت أشعر بالعجز والضعف والقلق والخوف مثل اليتيم المحروم من حنان الأب الذي يوفر له وسائل الأمان والسلام.
صحيح أنني عندما انضممت للجماعة اللاهورية شعرت أيضا أنني أنتمي إلى عائلة الأحمدية، ولكنني كنت أشعر أنني مع الذرية التي تيتمت وحُرمتْ الوالدين. وصحيح أنني شعرت أيضا أنني كنت تحت ظلِّ شجرة الأحمدية، ولكنني كنت أشعر أنني أحتمي بالفرع الذي ذبل وجف.
لو أن أي شخص قارن بصدق وأمانة بين البركات والنعم التي أسبغها الله على كل من الجماعة اللاهورية وجماعة الخلافة، سوف يرى بوضوح أن إحداهما تتمتع بالنعم الإلهية والتأييد الرباني أكثر. طبعا أنا لا أتحدث هنا عن الأعداد أو البركات المادية، فلا الأرقام ولا السلطة المادية يمكن أن تعتبر المعيار في هذه الحالة. إذا أخذنا بالأعداد والتفوق المادي كمقياس، سيكون علينا أن نستنتج أن المسلمين غير الأحمديين مباركون أكثر من الأحمديين، وأن المسيحيين مباركون أكثر من المسلمين وهلم جرا. ولكن أنا هنا أتحدث عن النعم الروحانية والآيات السماوية التي تتجلى كل يوم على الجماعة. طبعا هذا يحتاج إلى تحقيق وتقييم وثيق، ثم مقارنة صادقة بين الجماعتين.
وكانت هذه هي الفرصة التي منحها الله لي بفضله ورحمته. لقد سنحت لي الفرصة لمقارنة النعم التي أسبغها سبحانه وتعالى على الفريقين. وتبين لي أن الله أنعم على الجماعتين لكونهما من أتباع المسيح الموعود عليه السلام، ولكن الواضح بجلاء أن الجماعة التابعة للخلافة تتمتع بالتأييد السماوي والنعم الإلهية أكثر من الأخرى. إذا لم أعترف بذلك، فسوف أكون مسؤولة أمام الله تعالى وسيحاسبني على ذلك يوم القيامة لأنني شهدت الآيات الإلهية وتجاهلتُها. ولكن بالنسبة للاهوريين الأمر يختلف. فقد شهدوا على جانب واحد فقط – أي جانبهم. ومن واجبهم الآن التحقق من أمور الجانب الآخر أيضا، ثم بعد ذلك يمكنهم أن يشهدوا بأنفسهم أي جانب يتمتع بالتأييد الإلهي. وإنه لمن واجب الأحمديين المخلصين من أتباع المسيح الموعود عليه السلام أن يسعوا جاهدين في سبيل الله تحت القيادة التي عينها الله لهذا المنصب.
بدون شك أن أتباع المسيح الموعود عليه السلام الذين يعتبرون أنفسهم أتباعًا حقيقيين له سوف تكون لديهم الرغبة دائما أن يحققوا أهداف المهمة النبيلة التي بُعث حضرته من أجلها في العالم، وأن يواصلوا الرحلة التي بدأها. وبالتأكيد إنهم سيسعون جاهدين لتحقيق كل الأغراض التي اعتزم المسيح الموعود عليه السلام تحقيقها بكل تفاصيلها؛ وسيعملون على طاعته حتى في دقائق الأمور، ولو كلفهم ذلك كل ما هو عزيز لديهم في هذه الحياة الدنيا. ولكن من أجل تحقيق ذلك كله سيتحتم عليهم أولاً أن يوحدوا صفوفهم تحت القيادة التي اختارها الله وباركها ونصرها. فهم بحاجة دائمة إلى الهداية والإرشاد، وسيتوفر ذلك لهم عن طريق القيادة الروحانية للجماعة. وبذلك يمكنهم التقدم في العلم الروحاني وإدراك تعاليم المسيح الموعود عليه السلام الصحيحة والاقتداء بقدوته، وسيتمكنوا من بلوغ الدرجات الروحانية السامية التي بلغها حضرته والتي حث أتباعه على بلوغها. وهذا سيفيدهم أنفسهم أولاً، ثم يساعدهم على خدمة البشرية جمعاء وقلوبهم مليئة بالحب لكل مخلوق على هذه الأرض.
لقد جاء المسيح الموعود عليه السلام من أجل توحيد العالم كله تحت راية الإسلام، ومن واجب كل أتباعه السعي من أجل تحقيق هذا الهدف. ولبلوغ هذه الغاية عليهم أن يبدأوا أولًا بأنفسهم ويوحدوا صفوفهم بإزالة أي أسباب للفرقة فيما بينهم.
وليتذكر كل من يعدّ نفسه من أتباع المسيح الموعود عليه السلام ما وصى به أفراد جماعته عندما قال:
"سارِعوا إلى التصالح فيما بينكم، وأقيلوا عثراتِ إخوانكم، فشريرٌ ذلك الذي لا يرضى بمصالحة أخيه، ولسوف يُقطَع، إذ يُحدث الفُرقة. تَخلَّوا عن أنانيتكم من كل وجه، ولا تباغضوا، وتذلّلوا ذلّةَ الكـاذب وأنتم صادقون لكي يُغفر لكم. واتركوا تسمين الـنفس لأنّ الإنـسان السمين لا يقدر على الدخول من الباب الذي نوديتم إليه. كم هو شقيٌّ ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بهذه الكلمات التي خرجت ْمـن فـم االله فبيّنتُها". (سفينة نوح)
ولقد قال عليه السلام أيضا:
".. لن تخضرّ جماعتنا ما لم يواسِ أعضاؤها فيما بينهم مواساة صادقة بكل ما أُعطوا من قوة. إنني في بعض الأحيان أطّلع على أحدكم يرى من أخيه زلة فلا يعامله بالخُلق الحسن بل ينفر منه ويزدريه. كان ينبغي عليه أن يدعو الله لأخيه ويحبه وينصحه بالرفق والخلق الحسن، ولكنه بدلا من ذلك يزداد بُغضا له. بدون العفو والمواساة تفسد الأمور شيئا فشيئا وتصبح العواقب وخيمة، وهذا ما لا يريده الله. إنما تكون الجماعة جماعة إذا واسى بعضهم بعضًا وستَر بعضهم عيوب الآخر، وعندها يصبح أفراد الجماعة كجسد واحد، ويصبح بعضهم جوارح بعض. ويحسبون أنفسهم أشدّ أخوّة من الإخوة الحقيقيين ...." (الملفوظات – مجلد 3)
وليتذكر كل من يعتبر نفسه من أتباع الخادم الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما وصى به رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم عندما قال:
لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (صحيح البخاري - كتاب الأدب)
وليتذكر كل من يعتبر نفسه من أتباع الإمام المهدي عليه السلام أن الله الذي بعثه من أجل هداية الناس جميعا وتوحيدهم تحت راية الإسلام الحقيقى قد وصى في القرآن الكريم بالقول:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ* وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران 103-105)
لقد كتبت أعلاه ما رأيت أنه هو الحقيقة. ولم أنشد أي مكاسب دنيوية بذلك والله على ما أقول شهيد. إن هدفي الوحيد هو رضوان الله وانتشار دعوة الحق في كل ركن من أركان الأرض.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. آمين.
عندما كتبت المقالة أعلاه كنا في عهد الخليفة الرابع للمسيح الموعود عليه السلام، وبعد ذلك انتقل خليفة المسيح الرابع إلى رحمة الله، فأنعم الله على الجماعة بقيادة سيدنا أمير المؤمنين حضرة مرزا مسرور أحمد –أيده الله تعالى بنصره العزيز- الخليفة الخامس للمسيح الموعود عليه السلام، وتجددت بذلك بركات هذه القيادة الراشدة. فمنذ بداية وقت خلافته وهو يعمل على الارتقاء بأفراد الجماعة أخلاقيا وروحانيا. وهو دائما ينصح الجماعة ويربيها ويعلمها ويرشدها ويهديها لما فيه الخير والصلاح والوحدة بين صفوف أفرادها. وبالفعل كان لكل ذلك تأثيرت إيجابية كثيرة في نفوس أفراد الجماعة. وبدون شك إنهم مازلوا مستمرين في بذل الجهد وتقديم التضحيات للمزيد من التقدم الأخلاقي والرقي الروحاني تحت قيادته المباركة. وبالصبر والمثابرة سيحققون ذلك إن شاء الله.
وفّقنا الله جميعًا لاتّباع الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى رضاه وحبه وقربه وجنته. آمين.
(تم الانتهاء من تعريب هذه المقالة يوم 18 يوليو 2015 – الموافق 30 رمضان 1436)


 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة