loader

المقالات

في زمن أجمع المؤرخون أنه كان زمنا حالكا غارقا في الظلمات، وفي وقت كاد الفساد يعصف فيه بمستقبل البشرية الذي كان على شفا هاوية دفعها إليه انحطاط كبير وفساد عظيم أطبق على العالم، بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلـم ليكون رحمة للعالمين ولينقذ البشرية، وليكون زمن بعثة علامة فارقة أدت إلى نهضة عظيمة وفجرٍ جديدٍ للإنسانية. كانت تلك ليلة حالكة، ولكنها كانت تستر تحت جُنح ظلامها بركات عظيمة قدّرها الله تعالى للبشرية سرعان ما كشف عنها الفجر. كان ذلك الفجر هو فجر محمد صلى الله عليه وسلـم الذي أنار العالم وأخرجه من ظلمات الفسق والفساد والتبار والخسران إلى نور التقوى والصلاح والفوز والازدهار.

في كتابه إزالة الأوهام، قدَّم المسيحُ الموعود والإمامُ المهدي عليه السلام مسألةَ الإيمان به بصورة مميزة واضحة جلية؛ حيث بيّن من خلالها أن الإيمان به له فوائدُ كثيرة، كما أنه لا يتضمَّنُ أيَّ جانبٍ يمكن أنْ يسبب الخسارة. يقول حضرته: "من هم أقرب الناس إليّ وإلى السعادة؟ أأولئك الذين آمنوا بي مسيحا موعودا أم المنكرين؟ من الواضح الجلي أن الذين آمنوا بي مسيحا موعودا هم معصومون مصونون من الخطر، ويستحقون أنواع الأجور والثواب والقوة الإيمانية، لأنهم: أولا: أحسَنوا الظن بأخيهم ولم يعُدّوه مفتريا أو كذابا، ولم يدَعوا الشكوك الفاسدة بشأنه تتسرّب إلى قلوبهم، لذا فقد استحقوا ثوابا يناله المرء نتيجة حسن الظن بأخيه.

في كتابه "ضرورة الإمام" فسَّر الإمامُ المهدي عليه السلام قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء 60) أن المقصود بولي الأمر من ناحية الدين هو الإمام، ومن ناحية الدنيا هو الحاكم، وأن الأمر الأساس المقصود في:{وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} هو أمر الدين، وأن الحاكم الذي لا يتدخل في الدين ويتيح لنا أن نمارس ديننا بحرية هو مساهم في أمر ديننا بصورة من الصور. فكيف بمن يدافع عن حريتنا الدينية ويكفلها لنا؟ هذا الحاكم سيكون مساهما بصورة أعظم في النظام الديني، وتعتبر مساهمته معروفا يوجب شكره والثناء عليه.

لعل فهم العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلـم والقرآن الكريم هو المحور الأساس الذي توزّعت حوله مدارس الفكر الإسلامي وتباينت. وبقدر ما فرّقت هذه المدارس بين النبي والقرآن بقدر ما ابتعدت عن جادة الصواب. والحقيقة أن القرآن هو مرآة قلب النبي صلى الله عليه وسلـم التي تعكس صورة أبدية له صلى الله عليه وسلـم يستطيع المؤمنون أن يحظوا بتأملها إلى قيام الساعة. وقد جاء الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام مؤكدا على التوحد بين النبي صلى الله عليه وسلـم والقرآن الكريم، وكان هذا الأمر علامة فارقة في فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية، ومفتاحا عظيما لحل كثير من المعضلات، وللحكم فيما اختلفت فيه الفرق. فلم يكن نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلـم إلى بعد أن أعده الله تعالى إعدادا كاملا، وصنعه على عينه، وجعله جبلا راسخا يستطيع أن يتحمل نزول هذا الوحي الذي لو نزل على جبل لأصبح خاشعا متصدعا من خشي

هنالك اعتقاد شائع خاطئ حول المباهلة، مضمونه أن المباهلة إنما شُرّعت لتكون وسيلة لإظهار صحة عقيدة مقابل أخرى؛ حيث يُظن أن صاحب المعتقد الصحيح سينتصر حتما، حتى وإن كان كذابا مسرفا غارقا في الذنوب، وأن صاحب العقيدة الفاسدة سيعاقب على فساد عقيدته، لا على نيته وعمله وسلوكه. هذا الخطأ ناجم عن الجهل بأن العقيدة الفاسدة لا يعاقب الله عليها في الدنيا، وإنما هنالك عاقبة للأعمال السيئة في الدنيا، وقد يعاقب الله في الدنيا على بعضها؛ خاصة إذا كان هذا العمل السيئ فيه ظلم كبير للآخرين، أو أراد المجرم أن يُشهد الله عليه ويجعله شريكا فيه. هذا إلى جانب العقوبة في الآخرة.

تعلن السلفية منهجها: "القرآن والسنَّة بفهم سلف الأمة". وفي هذا الشعار إشكالات كثيرة وتناقضات داخلية، إضافة إلى التناقض مع ادعاءاتهم الأخرى. فهذا الشعار بداية بدعة لا دليل عليها؛ وهم من يقولون أنهم يحاربون البدع ويتمسكون بالدليل! فأين دليله في القرآن أو في السنة؟ ثم إن هذا الشعار يعني أن للقرآن وللسنَّة أفهاما كثيرة، وهم اختاروا فهم سلف الأمة تحديدا؛ وهذا يعني ألا فائدةَ من القرآن والسنة وحدهما، والذي يقرأ القرآن ويحاول تتبع السنة سيقع في الخطأ لا محالة، وسيفهم أفهاما تورده الهلاك، ما دام لم يهتدِ إلى فهم سلف الأمة!

كثيرا ما يثار السؤال عن الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلـم في الحديث الشريف: {عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ} (سنن ابن ماجه, كتاب الفتن) فيتساءل البعض قائلين: إذا سلمنا أن الجماعة الإسلامية الأحمدية هي الفرقة الناجية في هذا العصر، فما هي الفرقة الناجية التي كانت قبلها والتي استلمت منها الجماعةُ الرايةَ؟

عمل الخلافة الراشدة هو عمل النبوة؛ وهو الذي اختصره القرآن الكريم في قوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } (البقرة 152) فالعمل هو تلاوة آيات الله؛ أي الاهتمام بالقرآن الكريم وبتفسيره وبتوضيح الدلائل والآيات التي تدل على وجود الله وتبيّن صفاته وأسمائه الحسنى. وهو التزكية التي هي التطهير والتنمية للمؤمنين؛ أي تنقية فكر المؤمنين وسلوكهم وإرشادهم إلى ما ينفعهم، وكذلك توجيههم إلى ما ينمي قدراتهم ومواردهم. وهو تعليم الكتاب والحكمة؛ أي تبيان أحكام الله وشريعته والحكمة من وراء هذه الأحكام والشرائع، وكذلك هو تعليم الناس ما لم يكونوا يعلمون؛ أي قيادة وإدارة تعليم الناس ما ينفعهم ويصلح أحوالهم وشئونهم في كل ما يتعلق بمناحي الحياة.

عندما ثارت الفتنةُ ضدَّ الخليفة عثمانَ رضي الله عنه، وبدا واضحًا أنَّ هؤلاء المجرمين يتربصون به ويسعون لقتله، عرض عليه معاويةُ رضي الله عنه أن يرسلَ جيشًا من الشام كي يحميه ويحمي المدينة، فرفض حضرته ذلك، وقال إنه لا يريد أن يُضيّق على أهلِ المدينةِ بمساكنةِ جيشٍ لهم يقاسمهم أقواتهم؛ حتى وإنْ كان هذا الجيشُ سيحميهِ ويحمي الخلافةَ! وعندما نزلَ المجرمونَ بالمدينة، وحاصروا الخليفةَ، وآذوه حتى منعوا عنه الماء، هبّ الصحابة لكي يدافعوا عن خليفتهم؛ وهم الشجعان الذين عركتهم الشدائدُ، وأثبتوا بسيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلـم أنهم قادرون على التعامل مع وضعٍ كهذا، رفض حضرته أن يقوموا لمقاتلة هؤلاء حرصًا عليهم؛ موضحا لهم مرارًا أنَّ هؤلاء المجرمين يريدونه هو وحسب، ولا يريد أن تُسفك دماؤهم دونه.

من مزايا الإسلام العظيم أنه لم يقدّم شريعة وأحكامًا نظرية، بل قدّم من خلال سنَّة النبي صلى الله عليه وسلـم، وسنَّة خلفائه الراشدين، وصحابته الطيبين الطاهرين تطبيقات عملية لهذه الشريعة في ظروف شتى، تصلح للاسترشاد بها وأَخْذ العبر والدروس باستمرار. وكان هذا مهمًا من أجل صَقْل أخلاقهم، ومن أجل إظهار تربيتهم التي تربوها على يد النبي صلى الله عليه وسلـم. ففي زمن الابتلاء كانوا يدركون تماما أن الله تعالى لم يودِّعهم ولم يتركْهم، وكانوا يعلمون أنَّ المطلوب منهم هو الثبات والاستقامة على ما عاهدوا اللهَ عليه، وعلى الله تعالى النتائج. ولكنهم كانوا واثقين أيضا بأنَّ العاقبة لهم، وأنَّ الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وسعت الدنيا كلها للحيلولة دون ذلك.

 

أخبار الجماعة

خطب الجمعة الأخيرة